ضيوف الرحمن في موروث الثقافة الشعبية

موسم الحج.. مظاهر حافلة بالتنوّع والثراء

مظاهر الاحتفال بموسم الحج حافلة بالتنوع والثراء والإبداع في وطننا العربي، وجميعها تهدف إلى إبراز البهجة بقدوم موسم الحج والعيد؛ لذا فلكل مجتمع عربي ممارساته، واستعداداته الخاصة التي تبدأ مع لحظات الاستعداد للحج، وانتهاءً بمظاهر استقبال عيد الأضحى، حيث يحتفل الأطفال بـ«خروف العيد»، وكل ما يتصل بهذه المناسبة من حلويات وأطعمة وزيارات مختلفة.

حنون الحجاج

المظاهر الشعبية في الاحتفال بالحج في مصر تعد الأكثر توثيقاً وممارسة، حتى يومنا هذا، مع بروز بعض الفنون على نحو ما يُعرف في مصر بـ «حنون الحجاج» وهي الأغاني الشعبية التي يرددها أهالي الحاج وجيرانه والمحيطون به عند توديعه أو استقباله، كما تعقد حلقات الذكر والإنشاد الديني في بيت الحاج.

والأغاني المعبرة عن الحج تحتل مكانة متميزة وثرية، حيث يمكن رصد اهتمام المغنين المصريين بموسم الحج، وهو ما يظهر في إبداعات الكثيرين من أشهر الفنانين، مثل أم كلثوم في قصيدة «إلى عرفات الله»، وأسمهان «عليك صلاة الله وسلامه»، بالإضافة إلى العشرات من أغنيات الحج التي أنتجت في فترات زمنية متعددة.

فضاءات «رحلة الحج» المسرودة في أغنية «تحنين الحجاج» التي يرفدها ويترافق معها العديد من النصوص الأدبية، ما ينشدها المنشدون المحترفون ترسيخًا لقدسية هذه الرحلة الموجهة بالمحبة النبوية بوصف النبي محمد، صلى الله عليه وسلم، شخصية فريدة في الوجدان الشعبي، وموجهة أيضًا بالتشوق إلى البيت الحرام والكعبة التي تهون في سبيلها، في معتقد الحاج، أمواله وأبناؤه.

ومنها ما تهتم به النسوة من أقارب الحاج وجيرانه عند تجمعهن لتوديعه بأغنية «التحنين» التي تأخذ فيها الأماكن المقدسة حيزًا كبيرًا، كما تأخذ الشعائر المقدسة حيزًا مماثلًا. وأما أيام التشريق، ووقفة عرفات، وأيام الإحرام، فلا تهمل في هذه النصوص.

ومن جانب آخر، فإن ممارسة شعيرة الحج عند السودانيين تختلط بالكثير من الطقوس والتقاليد، وقد عرف السودانيون بمحبتهم للنبي، عليه الصلاة والسلام، الأمر الذي قادهم إلى الحرص على أداء الحج، حتى تكتحل عيونهم برؤية البيت الحرام وزيارة المدينة، حيث قبر الحبيب النبي محمد ــ صلى الله عليه وسلم ــ وظل الشعراء منذ زمن بعيد يعبرون عن هذا الحب في المديح النبوي، وهو جنس فولكلوري شعري خصص لمدح النبي محمد، ــ صلى الله عليه وسلم ــ وقد صنف فولكلور الحج إلى أبواب رئيسية ثلاثة، هي: الثقافة المادية، والإبداع الشعبي، والعادات والتقاليد.

أهازيج الشعر

أما في الموروث الشعبي السعودي، فتتنوع مظاهر الاحتفال بموسم الحج. ففي منطقة جازان مثلاً يستعد الناس لهذا الموسم قبل دخول شهر ذي الحجة، بمدة قد تصل إلى ثلاثة أشهر، ويسود في هذه المنطقة عادة يطلق عليها «تجهيز «قعادة» الحاج» أي الكرسي أو السرير الخشبي، تكريماً للحاج، الذي لا يدخل منزله إلاّ نهاراً، فإذا صادف وصوله لمنزله غروب الشمس ودخول الظلام، لا يدخل دياره بأكملها، إنما ينام على مشارفها ليلًا ويأتيها في الصباح. وما إن يستريح الحاج في منزله حتى يبدأ في استقبال المهنئين، بتوزيع الهدايا.

ولأهل الكويت عادات وتقاليد خاصة، لمن يريد الحج، من بينها رفع العلم، حيث يتم رفع بيرق (علم أحمر أو أبيض أو أخضر) على أسطح البيوت دلالة على سفر أحدهم إلى الحج.

وعادة ما يستأمن الحاج بعض أقاربه وجيرانه على أهله وماله، حتى يرجع سالمًا، في دلالة على مدى الترابط بين الجيران والأهل. ومن المظاهر الشعبية في اليمن شخصية «المبشر أو البشير أو النجاب» الذي يرسله الحاج، ومعه ما يدل على وصوله بالسلامة من مسبحة أو رسالة خطية، محددًا فيها يوم ووقت وصوله.

وقد توارثت مدينة زبيد هذه العادة لاستقبال الحاج، ويتم تزيين الخيول، وامتطاؤها، والرقص بالسيوف، وفرش الديباج وغيرها، إضافة إلى أن أهل المدينة يقومون برش البيوت من الداخل والخارج باللون الأبيض، وإطلاق الأعيرة النارية؛ استعدادًا للاحتفال بالحاج في المخدرة المعدة لذلك، ويقدم الطعام، ثم يلي ذلك إقامة المولد.

هدايا البيض

ويتميز الجزائريون بعادات وطقوس «غريبة» في الحج، وهو ما يتجسد في حجم التباين الواضح في مظاهر توديع الحاج في الجنوب والشمال، فلكل منطقة عاداتها وتقاليدها المتوارثة في هذه المسألة، ففي الجنوب يجمع سكان المدينة كل الدجاج والبيض الموجود لديهم، لمدة 15 يومًا قبل توجه الحجاج إلى البقاع المقدسة، ويقدمونها هدية لأهاليهم، ثم يسلق البيض ويأخذه الحجاج معهم إلى الأراضي المقدسة ليأكلوا منه، ويحتفظ بالمتبقي ليأكله الحجيج عند عودتهم، ويعدّ أهل الحجيج ما يسمى «الكرامة»، وهي صدقة من طعام كثير يُطبخ باللحم ويُدعى إليه الأقارب والجيران، أما في الشمال، فهناك طقوس مختلفة، حيث «تتويج الحجيج» في المساجد، والاحتفاء بهم، ويكون ذلك بتلاوة قصيدة البردة.

بينما اعتاد أهل فلسطين، توديع الحجاج بما يعرف بالـ«التحنينة»، التي تقوم على مديح النبي محمد ــ صلى الله عليه وسلم ــ ، إذ يقوم بها أحد المودعين الذين يحفظون بعض العبارات المسجوعة والأبيات الشعرية ذات العلاقة، بينما يردد البقية وراءه بعض الكلمات الموجزة، ويتم الكشف عن أسماء المختارين لأداء الحج، وتزيين بيوتهم بصور مبهجة، كما يتم إعلام جميع الأحبة والأقارب بالسفر إلى مكة، وتفتح منازل الحجيج والدواوين أبوابها أمام قوافل المودعين من الرجال. أما في المورث الشعبي الموريتاني، فقد كانت بلاد شنقيط منطلق قوافل الحجيج في المنطقة، انطلاقًا من مدينتي «ولاته» و«شنقيط».

وكان حجاج هذه المنطقة يأتون إلى هذه البلاد لتعلم فرائض الحج، وتكون بذلك نقطة انطلاقهم إلى الديار المقدسة ضمن القوافل التي ينظمها أهل المدينتين والتي تقدر بـ32 ألف بعير سنويًّا، وتأخذ هذه القوافل طرق مختلفة، وكان لعلماء الشناقطة أثناء رحلاتهم إلى الحج إسهامات علمية بارزة في نشر الإسلام وتعليم علومه، ومنهم من طاب به المقام في الطريق، مثل: طالب أحمد بن أطوير، محمد يحيى الولاتي، آب بن اخطور، سيد عبد الله ولد الحاج إبراهيم.

وقد ذاع صيت علماء الشناقطة في بلاد المعمورة حتى أصبحت هناك أحياء سكنية داخل البلاد التي يمرون بها تسمى عليهم كحي الشناقطة في السودان وغيرها.

تعليقات

تعليقات