«تفاصيل» أيمن زيدان ترسم لوحة الحنين

أكثر من 65 مسلسلاً تلفزيونياً، وعشرة أفلام سينمائية، ومثلها من الأعمال المسرحية، قدمها الممثل والمخرج السوري أيمن زيدان خلال مسيرته الفنية الطويلة التي انطلقت فعلياً عام 1983 في مسلسل «نساء بلا أجنحة».

زيدان الذي أبدع في أدواره الكوميدية، بدءاً من مسلسل «الدوغري» و«يوميات مدير عام»، مروراً بـ«صوت الفضاء الرنان» و«يوميات جميل وهناء»، و«بطل من هذا الزمان»، وانتهاء بـ«أنت عمري» و«الوزير وسعادة حرمه»، كما في أعماله السينمائية والمسرحية، والغائب عن فضاء الدراما منذ ما يزيد على عامين، يعود اليوم إلى متابعيه من خلال الكتاب وإصداره الجديد «تفاصيل»، وهو الثالث بعد عمليه القصصيين «أوجاع»، و«ليلة رمادية».

حكايات

عمل يجمع ما بين الرواية والسيرة الذاتية، قدمه الكاتب عبر مجموعة من الحكايات منذ ولادته في بلدته الرحيبة بالريف الدمشقي، في الأول من سبتمبر 1956، وانتقاله طفلاً مع والده الذي يعمل شرطياً إلى العاصمة دمشق.

يقول زيدان في مقدمة الكتاب: «تفاصيل.. لوحة حياة غادرها معظم أبطالها وهجرتها الأزقة والدروب.. وما تبقى منها سوى الحنين».

يصور زيدان دمشق خلال السنوات الخمس الأولى من حياته، والرحلة الأسبوعية من العاصمة إلى بلدته الرحيبة التي كانت طقساً من طقوس والده لا يحيد عنه، ويروي حكاية جدِّه المقعد الذي كان خزاناً للحكايات بالنسبة له، يختزل فيها ذاكرة وأمكنة وأشخاصاً، ومشهدية زاخرة بالتفاصيل. يقول: «حكاية جدِّي مدخل لزمن رجولي بسيط حاصره الفقر، لكن رجاله كانوا قادرين على صياغة لحظات فرح صارخة، ونسج ساعات أمل مسروقة من بطن زمن قاس لا يرحم. كما يسرد مغامرة الجد المجنونة عندما تنطح برعونة لحمل حجر وزنه يفوق القنطارين على ظهره، لينتهي الأمر به كسيحاً في زاوية منسية، لم يغادرها حتى وفاته بعد عشر سنوات.

شخصيات

يصور الراوي شخصيات أخرى في بلدته، «رجل الضوء» الذي كان يمد البلدة بنور شحيح عبر مولد كهربائي، ضوء يتسلل منها خجولاً كالأرملة. و«محمد الطيرجي» الذي كان يحلم بأن يصبح طياراً، لكنه لم يصبح كذلك بسبب المسؤول الحزبي في البلدة الذي كان تقريره ودراسته، السبب الرئيسي في تحول محمد من طيار إلى طيرجي. وعتال سوق الهال الذي تحول إلى بطل المصارعة الأميركي الأسود جاك تشامبيون. والفراشات التي كانت تدور حول مصباح «اللوكس» قبل أن تتهاوى محترقة، دون أن يفهم سبب إصرارها على الانتحار في الضوء المميت.

قرصات الحُب

ويروي قصص حبِّه العبثية مع بدء عمر الرجولة، حبٌّ معجونٌ بالوهم والصور المختَلَقة، وحبيبة يحبها دون أن تعلم، يقول: «لم أفهم لوقت طويل لماذا أحببت أغنيات الحب المهزوم منذ بداية شرارة الحب الأولى». وكيف عبث بعشِّ دبابير على جدار طيني يجاور باب دارها حتى يجد مبرراً لطرق الباب وطلب العلاج بعد أن أثخنت الدبابير وجهه بالإصابات، وفشلت محاولته العبقرية هذه، إذ إن من فتح الباب كان والدها.

يسهب زيدان في وصف الشارع الرئيسي الوحيد في البلدة، الذي يتحول إلى فسحة تزخر بكرنفال يومي عندما تبدأ الشمس بارتداء عباءتها الأرجوانية استعداداً لرحيلها. ومشهد البلدة يوم الخامس من يونيو عام 1967، حيث عم السكون أزقتها، وتبادل الناس شعور الهزيمة بصمت، بعد أن ملأت هذه الأزقة أصوات الانتصار الواهم من الراديوهات القليلة فيها.

مسرح

في تفاصيل اللوحة يتحدث زيدان عن بداياته المسرحية، حيث كان عنوان مسرحيته الأولى «بصلة في المخفر»؛ وحدث المسرحية الرئيس، تحقيق بوليسي ساخر حول بصلة مسروقة. إذ كانت المشكلة الأبرز في ذلك الوقت من السبعينات، هي مادة البصل التي أصبحت لاعتبارات سياسية واقتصادية سلعة نادرة في حينه.

يختم زيدان بسرد المصادفة التي قادته إلى أن يكون عضواً في فرقة مسرح احترافية، ولم يكن قد تجاوز الخامسة عشرة من عمره، حيث بدأ مُلقناً، ثم ممثلاً رئيساً بسرعة قياسية، والتأثيرات المتباينة التي تركها عمله مع أسماء تنتمي لشرائح اجتماعية غير مشجعة، على سنوات مراهقته المضطربة أصلاً، عن ذلك يقول: «أصابني ما يشبه الصدمة الحقيقية لفتى ينحدر من عائلة ريفية متوسطة تحكمها منظومة قيم ومفاهيم لا تتماشى مع هذا العالم».

تعليقات

تعليقات