«صوغة»..حكايات وهدايا ضيوف الرحمن

في الحج يجتمع الروحي والثقافي والاجتماعي والاقتصادي وحتى النفسي والترفيهي والخيالي في مكان وزمان واحد، انظري إليه من نافذة كبيرة، باب كبير، نسأل الله أن يفتح لنا أبواب رحمته في كل شيء، قالت، هكذا نفهم الحج ونحن كبار، هذا ونحن كبار! قلت لها:

حكت لي صديقتي وعيناها لا تفارقان الهاتف، «سنوات مرت من دون أن تستطيع أمي تحقيق أمنيتها بأن يعيش لها طفل ذكر بعد موت أخي، فنذرت إن رزقها الله بولد أن تأخذه إلى بيت الله، وتحج به وتتمنى، عندما كنا صغيرات، كنا نرى الحج من نافذة صغيرة مفتوحة على الأمنيات، أمنية أمي أن يكون لنا أخ ذكر، أشياء أخرى.. وأشياء تخص خمس بنيات صغيرات، تعرفينها في ما بعد.

المهم، لما ذهبت أمي وغابت، قالت جدتي شارحة.. إنها ضيفة في بيت الرحمن، وإننا سوف نشاهدها واقفة فوق جبل «عرفة» في التلفزيون الأبيض والأسود. نشاهد أمي؟ قالت أجل ومعها عبدالرحمن!

لم نشاهدها ولم نشاهد أخي، نوافذنا كانت صغيرة، أصغر من أن تسمح لنا بمشاهدة ما يجري من بعيد. لم نر من خلالها وجهاً نعرفه في الزحام! لكن جدتي أضافت: وبعد عرفة ترمي الشيطان، وتطوف بالبيت. لم نشاهدها وهي ترمي الشيطان! كانت شاشة التلفزيون تغص بوجوه لم نشاهدها من قبل ولا نعرفها!

ظل العلم الأخضر مرفوعاً زاهياً فوق البيت، لكن أمي عادت منتصف الليل، وكان صوتها يسمع بالكاد، وكانت جدتي تهمس بصوت واضح.. تقبل الله طاعتك، حج مبرور وذنب مغفور.. الحمد لله أن البنيات نائمات!

لم أكن نائمة، ولم أكن لأتبين التعب في وجهها، لم أشعر بتعب الرحلة بادياً على وجهها الذي كنت أظنه مبتسماً دائماً، أو في وجه أخي في الظلام.. تلهفت على الصوغة»!

من ينام وينسى تلك العطايا؟ قلادة الخرز الشفافة بألوانها العسلية والخضراء والحمراء التي تأتي من بيت الله فتعلقينها في رقبتك لتشعرك بأنك جميلة، ومن ينسى قبعات الأولاد «القحافي» البيضاء المطرزة المنشاة، ومن ينسى رائحة المساوك الملفوفة في أكياس الورق، ومن ينسى شربة من «ماء زمزم»، ومن ينسى الكاميرا الصغيرة البيضاء والخضراء والحمراء والزرقاء ذات العين، أو العينين بأفلام «السي دي» بالأبيض والأسود؟

لحظة كلمتني أم عبد الرحمن عن قلادتها، كانت أصابعها تتحسس رقبتها وتلهو بهاتفها، تشاهد صور «سناب شات» المرسلة لها من هناك، من أحد «المولات» الفخمة، وكانت ابنتها على الجانب الآخر، تنتظر أن يختار أحفادها صوغة أمهم الحاجة إلكترونياً، فيما هم قد فرغوا من مشاهدة فيلم «يوتيوب» عن الحج. ماذا بعد اليوتيوب؟ تساءلتُ. قالت: «رب إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم».

تعليقات

تعليقات