لم تُبرز روحانية الفريضة وتأثيرها في المجتمع

الحج.. مناسك غائبة عن عين السينما العربية

صورة

رغم ما تمثله فريضة الحج من أهمية عظمى عند المسلمين، إلا أن السينما العربية والعالمية ظلت غائبة عنها، فلم يحاول صناعها طوال العقود الماضية، الإستفادة مما تحمله مشاهد الحج من ثراء، وما تمتلكه من جوانب ثقافية وروحانيه، وتأثير في المجتمعات، وبحسب الدلائل فلم يسعَ صُناع الأفلام العرب إلى إبراز الحج في أعمالهم، كفريضة لها ثقلها وتأثيرها في المجتمع، لتمر المشاهد التي ارتبطت بها مرور الكرام، وتظهر على استحياء في بعض الأعمال، بعد توظيفها لخدمة خطوط العمل الدرامية.

غياب صورة الحج عن السينما العربية بدا أمراً لافتاً، في ظل عدم تجاوز الأعمال التي تناولت هذه الفريضة أصابع اليد الواحدة، بعضها جاء بقوالب وثائقية، فيما جاء بعضها الآخر لخدمة الخط الدرامي، ليبدو أن إسهام السينما العالمية بهذا الجانب أكبر بكثير من العربية، وفق ما اتفق عليه عدد من النقاد الذين تواصلت معهم «البيان»، والذين أشاروا إلى أن السينما العربية لم تبرز الجوانب الثقافية والاجتماعية التي يتسم بها الحج، مؤكدين ضرورة التفات صناع الأفلام العرب إلى ذلك، لما يمتلكه من قدرة للتعريف بمناسك الحج والرحلات المرتبطة بها، وبأهميته كحدث.

الرسالة

«في مجال رصد السينما العربية للجوانب الثقافية والتربوية والإيمانية الكبرى، فيما يخص فريضة الحج، نبدو وكأننا في «سنة أولى سينما»، فلا تزال السينما العربية بعيدة عن هذا الإرث الإنساني المشبع بالقيم والتعاليم التي كلما اقتربنا منه اكتشفنا أبعادها ومضامينها الكبرى»، بهذا التعبير، بدأ الناقد الكويتي عبد الستار ناجي حديثه مع «البيان».

مضيفاً: «الحديث عن السينما العربية وجملة من القضايا المحورية التي تتعلق بالهوية والبعد الثقافي والإنساني والاجتماعي يبدو أنه ليس مصلحة السينما العربية التي راحت تنشغل بالهامش، ولربما بهامش الهامش، ولو تأملنا مثلاً الأعمال السينمائية العربية التي تناولت الشخصيات الإسلامية، لاكتشفنا أن آخر إنتاج في هذا الجانب كان فيلم «الرسالة» (1976) للراحل مصطفى العقاد».

وأكد ناجي أن الأعمال السينمائية الروائية والوثائقية ذات الجودة الفنية العالية المستوى التي تناولت هذا الجانب قليلة ونادرة، مشيراً إلى تجربة «الرحلة الكبرى». وقال: «يمكننا القول إنها تجربة أحادية، عُرضت في مهرجان فينيسيا السينمائي عام 2004، وحملت توقيع المخرج المغربي إسماعيل فروخي».

وأضاف: «جمالية «الرحلة الكبرى» يكمن في قدرته على توضيح العلاقة المتباعدة بين الأب والابن، ومحاولة توطيد العلاقة بينهما وتعريف الابن على دينه الإسلامي طيلة الطريق نحو الحج عبر أوروبا والبلقان، وسوريا والأردن وصولاً للسعودية.

وأعتقد أن الفيلم حاول نزع الغطاء عن قضية التباعد الفكري بين جيلين من أجيال المهاجرين المغاربة بأوروبا كقضية مغربية أولاً وعالمية، لكون الهوة التي تفصل بين الآباء وأبنائهم كبيرة، فضلاً عن تأكيده لتشبّت المهاجرين المغاربة بديانتهم الإسلامية وأركانها، معطياً مثالاً من خلال حج البطلين نحو مكة، كما حاول تعريف الرأي العام بمجتمعات الدول التي مروا عليها في الطريق للحج، مثل البلقان، ثم الشرق الأوسط».

ونوه ناجي، في حديثه، بالصعوبات الجمّة التي واجهت المخرج إسماعيل فروخي وطاقم فيلمه «الرحلة الكبرى». وقال: «رغم كل شيء، أعتقد أن جهود إسماعيل فروخي لم تذهب هباءً منثوراً، فقد نال الفيلم التقدير الكافي وكُرّم في عدة مهرجانات سينمائية دولية وعربية».

ثقافة

أما الناقد المصري محمد عاطف، فأكد أن السينما العربية والعالمية لم تتناول فريضة الحج بشكل عميق. وقال: «لو نظرنا إلى أرشيف السينما العربية والعالمية، سنكتشف أنه لم يتم تناول الحج سينمائياً بشكل عميق، بقدر ما هو حدث عابر داخل النص أو العمل، الغرض منه إبراز أحد جوانب شخصيات الفيلم، خاصة المتعلق بعملية «التطهر»، لذا جاءت هذه الفريضة كحدث مكمل للخط الدرامي».

وأضاف: «لا يمكن التأكيد أن السينما العربية أبرزت الجوانب الثقافية المتعلقة بالحج، وإنما اقتصر ذلك فقط على إظهار ثقافة التطهر عند المواطن العربي، واعتبارها نقطة تحوّل في تاريخ الشخصية نفسها، وطريقة تعاملها مع الخطوط الدرامية بالعمل، وهو ما يمكن أن نلمسه جلياً في فيلم «المرأة التي غلبت الشيطان» (1973) للمخرج يحيى العلمي، إذ جاء الحج فيه بمنزلة انعكاس للتطهر وإظهار التوبة».

عاطف أشار إلى أن عدم تركيز السينما العربية على فريضة الحج، خلال العقود الأخيرة، ينبع من طبيعة كونها شعيرة دينية بالدرجة الأولى. وقال: «لا يمكن الإنكار أن الخوض في أي من الشعائر الدينية بطريقة جدلية هو أمر محفوف بالمخاطر، وهو أمر غير مقبول، على مستوى الرقابة الاجتماعية والفنية، وبالتالي لا يوجد لدى صناّع السينما أي استعداد لتحمّل العواقب، ولذلك نجد أن الأعمال التي تطرقت للفريضة جاءت لتعكس ثقافة التطهر فقط».

وأكد أنه يجب على السينما العربية العمل على توثيق هذا الحدث بطريقة درامية، وعدم الوقوف عندها لمجرد أنها طقوس دينية، نظراً إلى أهميتها وتأثيرها في أفراد المجتمع من الناحية النفسية والاجتماعية.

ابتعاد

من جانبه، أكد الناقد المصري أسامة عبدالفتاح أن السينما العربية لم تتمكن حتى الآن من عكس الجوانب الثقافية المتعلقة بفريضة الحج. وقال: «الأعمال العربية والعالمية التي تناولت الحج سواء بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، هي قليلة جداً، ومعظمها قدّم الفريضة من وجهة نظر دينية فقط، ولم يتطرق إليها من نواح ثقافية».

وبرر عبدالفتاح سبب ذلك بالقول: «لا يمكن تحديد أسباب واضحة لعدم تناول أو تركيز صناع السينما على هذا الجانب، ولعل الأبرز في ذلك أن معظمهم يحاولون الابتعاد عن هذا الجانب، وعدم الدخول في مسائل جدلية، ويفضّلون في أعمالهم الاقتراب والتعبير عن الذات والمشكلات المجتمعية والآنية التي يرونها، وقد يكون السبب الآخر هو ثبات وتكرار فريضة الحج سنوياً».

ودعا إلى ضرورة أن يتضمن أرشيف السينما العربية أعمالاً توثق الجوانب الثقافية للحج، وتعكس تأثيراته النفسية والاجتماعية. وقال: «نحن نتحدث عن حدث سنوي، يشارك فيه سنوياً الملايين من حول العالم، يلتقون في بقعة واحدة، ويؤدون الشعائر في وقت واحد، وبالتالي يجب أن يكون هناك نوع من المعالجة الدرامية التي تُبرز الجوانب الثقافية للحج».

وأضاف: «أعتقد أن الحج يستحق التناول الدرامي، ولكن علينا أن ندرك أن تنفيذ أي عمل يتعلق بهذه الفريضة يحتاج إلى قدرات إنتاجية عالية وميزانية ضخمة».

2009

يعد فيلم «رحلة إلى مكة» (Journey to Mecca) للمخرج الأميركي تاران ديفس، الذي أُنتج في 2009، واحداً من أبرز الأعمال التي سلّطت الضوء على الحج، إذ يوثق رحلة الرحالة ابن بطوطة إلى مكة، واستطاع الفيلم أن يحقق نجاحاً لافتاً، ووصفته «نيويورك تايمز» في تقريرها بأنه «مزج بين الماضي والحاضر.

حيث يحاكي رحلة الحج التي قام بها الرحالة ابن بطوطة من طنجة التي تركها عام 1325 متوجهاً إلى مكة، مازجاً إياها بموسم حج عام 2007 الذي صوّره المخرج في مكة، بصورة تجذب المشاهد لمعرفة شعائر الفريضة وتغير السفر إليها بين الأمس واليوم». وفي تعليق له على تجربته، قال المخرج ديفس: «كل الطرق قادتني إلى مكة، إذا كنا نريد فهم العالم الإسلامي فعلينا أولاً أن نفهم الحج».

2004

نجح المخرج إسماعيل فروخي، عام 2004، في تقديم فيلمه «الرحلة الكبرى» (Le Grande Voyage)، وفيه يحكي قصة فتى يدعى رضا، يعيش في جنوب فرنسا التي وُلد فيها لعائلة من أصول عربية مغاربية، يفرض عليه والده مرافقته في رحلة شاقة إلى الحج بحراً ثم براً، لعدم قدرة الوالد على توفير المال الكافي للسفر بالطائرة.

حاول رضا التملص من المهمة، إلا أنه يرضخ في النهاية لطلب والده. وفي الرحلة يتعرض الأب والابن لمواقف عدة تُظهر الفجوة بين الأجيال، والاختلاف من حيث المبدأ بين ما هو مسموح ومرفوض دينياً ومجتمعياً بينهما، وتنتهي الرحلة بوصولها إلى مكة، وقد اقتربا من بعضهما أكثر، وأصبحا أكثر تفهماً. وعلى الرغم من ذلك لم يستطيعا الاستمتاع بطبيعة العلاقة الجديدة، إذ يموت الوالد في الحج، تاركاً الابن مع ذكريات رحلة العمر الأخيرة.

2003

يعتبر فيلم «داخل مكة المكرمة» (Inside Mecca) من أجمل الأفلام الوثائقية التي أنتجتها قناة ناشيونال جيوغرافيك في 2003، عن طريق أنيسة مهدي، ووثّق العمل رحلة 3 حجاج إلى مكة لأداء فريضة الحج، ورافق الوثائقي حاجاً من ماليزيا وآخر من جنوب أفريقيا وثالثة من الولايات المتحدة الأميركية اعتنقت الإسلام، وصحبهم الفيلم في رحلتهم إلى المدينة المقدسة.

ويعتبر العمل دليلاً بصرياً لكل من يريد أن يعرف أكثر عن الحج أو أن يفهم معنى الشعيرة وقيمتها لكل مسلم مهما كانت جنسيته ولونه ولسانه. ويؤكد الإنتاج الأهمية التاريخية لمكة المكرمة وأهميتها بالنسبة إلى المسلمين، وما تشكّله رحلة الحج من أبعاد مختلفة، كما يسلّط الضوء على الإعداد البدني والعقلي، والضغط الناجم عن الرحلة، والنشوة الروحية عند الوصول إلى بيت الله الحرام.

 

تعليقات

تعليقات