رحلة الشعائر ..«عبق البيت» وفرحة العائدين

تحتفي الفنون الشعبية في العديد من مدن العالم الإسلامي بموسم الحج بجداريات تزيّن البيوت والأحياء، وتصوّر في بساطتها الرحلة، وتعطيها طعماً ورائحة في رسوم تواكب شعائرها المباركة في تفاصيلها المعبرة، وجسّد الفنانون في لوحاتهم عبر العصور أيام التكبير وهي تنادي: «الله أكبر»، وأفواج الحجيج وهي تستعد لزيارة الديار المقدسة، ورمزوا إلى القلوب المشتاقة التي سبقت أجسادها لرؤية بيت الله الحرام والطواف به والوقوف بعرفة، وكأنهم يقولون: هنيئاً لمن ذاب قلبه اشتياقاً لتلك الديار، وهنيئاً لمن عزم الذهاب لتطهير نفسه من الأدران.

ومن أشهر العبارات التي ترافق الصور المرسومة، التي يتصدى لها في كثير من الأحيان خطاطون محترفون، الآية القرآنية: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حَجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً)، وأحاديث النبي، صلى الله عليه وسلم، المترسخة في الوعي الشعبي، مثل: «من زار قبري وجبت له شفاعتي».

جداريات

وفي السياق، لفتت جداريات الحج المستشرقين في وقت مبكر، إذ ذكر المستشرق إدوارد وليم لين (1801-1876) أن العادة جرت أن يزيّن مدخل بيت الحاج قبل قدومه بيوم أو أكثر، فيُصبَغ الباب، وتُطلى واجهة البيت بالغراء والكلس على التعاقب، أو بطريقة مشابهة، بخطوط أفقية عريضة بالأحمر والأبيض.

ما أجملها من جداريات عانقت فيها ألوان الفنانين مشاعر الإيمان، وبيّنت لهفة المؤمن للبيت العتيق، وفضل أيام الحج، فتجد في تلك الأعمال بياض الإحرام الذي غطى جبال مكة، فلم تعد تشاهد إلا بياض البدور، ومشاهد إيمانية تُشعرك بمكانة الإسلام بقلب كل مسلم، ومع اقتراب نهاية الحج، ودنو موعد عودة الحجاج إلى ديارهم، تنشط حركة تشكيلية شعبية ذات سمات موروثة.

ويعد الرسم الديني على الجدران وتزيين المنازل بالصور والكلمات من أبرز الأنشطة الشعبية المرتبطة بهذه الشعيرة، فرسْم لوحة تعبّر عن الرحلة للأماكن المقدسة على الجدران بمنزلة تكريم للبيت وأهله، وإعلان أن صاحب الدار قد أدّى فريضة الحج التي لم يكن يقوم بها حتى وقت قريب سوى صفوة المجتمع الريفي والشعبي.

في العادة، يقوم بهذه العملية فرد غير محترف من أفراد العائلة أو الجيران، ويكون موعد إتمام اللوحة قبل وصول الحاج إلى بيته، وهي رسوم، تكون محمّلة بالرموز الدينية، ومن أشهر رموزها: رسم الكعبة والمسجد النبوي، ورسم وسائل النقل والمواصلات، إلى جانب نصوص مرتبطة بالحج، سواء الآيات القرآنية أو أحاديث الرسول، صلى الله عليه وسلم، عن فضل زيارة قبره وعظمة بعض الأماكن، مع بعض العبارات الترحيبية بالحاج، وتهنئته بعودته سالماً غانماً.

رسومات

الكتاب المصوّر «رسومات الحج» للكاتب الأميركي آفون نيل، وزميلته المصورة آن باركر، يُعدّ من أهم الكتب التوثيقية لفن الجداريات الشعبية الخاصة بالحج، خاصة أن المواد التي تُرسَم بها تلك اللوحات تكون قابلة للإزالة والضياع بعد عدة سنوات بسبب عوامل التعرية.

وقضى المؤلِّفان نحو 10 أعوام بجمع الصور، وتحرير مادة الكتاب الذي نُشر لأول مرة سنة 1995 بنسخته الإنجليزية، قبل أن يصدر مترجماً عن «المركز القومي للترجمة».

تقول آن باركر في تصديرها للكتاب: «سنجد مناظر متعددة تعبّر عن المعتقد الديني لأصحاب البيوت التي صوَّرت على جدرانها جوانب متعددة من حياة أصحابها، كما أن مناظر الحج ذاتها تعبّر عن الاحتفاء والسعادة بإتمام هذا الواجب الديني».

وتضيف أنه عندما يذهب أحد المسلمين المصريين للحج، يعود فيجد بيته قد زُيّن برسوم تصوّر المعالم التي شاهدها في رحلته.

وتفسّر انبهارها برسوم الحج بمصر، لما تحمله من مهارة إبداعية وتنوّع جميل، سواء أكان ذلك في المجتمعات الريفية على ضفاف النيل، أم في الدلتا، أم على شاطئ البحر الأحمر، أم داخل سيناء.

وتقول: «لقد شدّ انتباهي أول الأمر منظر منزل رأيته عبر نافذة القطار أثناء سفري من القاهرة لأسوان، فقد أثار المنظر إعجابي بهذا الفن البسيط، وحينما عرفت الدافع خلف هذه الرسوم، لم أستطع مقاومة طموحي بأن أقدّم للعالم الخارجي ما اعتقدته في قوة تعبير هذه الرسوم ذات الطابع غير العادي والتاريخي، علاوة على قِدَم هذا الفن الشعبي».

 

تعليقات

تعليقات