محمد يوسف.. العودة إلى الطبيعة - البيان

محمد يوسف.. العودة إلى الطبيعة

محمد يوسف، فنان تشكيلي إماراتي معروف، له تجربة فنيّة طويلة ومتشعبة، بدأها بين ضفاف الواقعيّة الرحبة والواسعة، قدم خلالها أعمالاً فنيّة مهمة، لكنه بعد رحلة اطلاع ودراسة إلى الولايات المتحدة الأميركيّة، انقلبت تجربته الفنيّة رأساً على عقب (على حد تعبيره). فقد شكّلت زيارته هذه نقلة نوعيّة في تجربته الفنيّة، بل انقلاباً يكاد يكون بنسبة 180 درجة.

فهناك تعلم أن الأشكال التي مارسها سابقاً هي أشكال ثابتة، جامدة، يغلب عليها الثقل في الكتلة دون مبرر. لذلك كانت أميركا بالنسبة له تجربة انفتاح فني أثارته ودعته إلى التساؤل، وعلّمته الرجوع إلى أصول الأشياء، والتركيز على تجانس العمل الفني وانتمائه إلى بيئة واحدة، والبحث وعدم الاستسلام لفكرة، بل متابعتها في تجليات أخرى، كما تأكد له أن الموروث مادة عالميّة، لكنه يتنوع في عدة أشكال تختلف من بيئة إلى أخرى.

اللعبة

يطلق الفنان محمد يوسف على تجربته الفنية التي أعقبت عودته من أميركا (اللعبة) وهي كما يؤكد مستمرة، ولا أحد يعرف كيف تتجه وكيف تتطور. أما الأعمال التي تتمخض عن هذه التجربة، فينظر إليها بوصفها جزءاً منه، يستطيع النظر إليها من الخارج ليصنفها مستأنساً بوعيه النظري والفطري في آنٍ، ذلك لأن العمل الفني حالة تنزرع في داخل الفنان، وهو ليس صرخة ذات صورة، بل هو الصرخة التي تُحس خلال أشكال معينة، لذلك هو في أعماله الفنية لا يصرخ، بل يُعبّر عن حالة يعيشها؛ حالة لا بد أن تختلف من فنان إلى آخر، وهو شخصياً يحب أن يأتي عمله متحركاً وليس ثابتاً، لأنه ينبع من ديمومة الحياة، والثابت والمتحرك فلسفة تراوده من زمان، لأنه ينتمي إلى عرب رُحّل متنقلين، وإلى بحر وسفينة وكثبان رمليّة متحركة.

وهو في كل أعماله، يحاول المساعدة على زيادة المتعة والتذوق لدى المتلقي، لأنه يرى أن الفن ليس للاستعراض والوجاهة، بل هو إنتاج شيء ثوري يقلب الموازين على المتعارف في مجال الفنون من خلال المنهج الذي يتبعه، والذي يعود من خلاله إلى الطبيعة، مستلهماً تغيراتها المستمرة.

من جانب آخر، لا يقف الفنان محمد يوسف في أعماله عند الشكل والصيغة البصريّة، وإنما ينفذ إلى الأشياء الموجودة في الطبيعة ويُخضعها لرؤيته الفنيّة، حيث يوظف الشكل لمهمة، أو يضعه في سياق مختلف ومغاير لاستخداماته العاديّة، يساعده على ذلك خبراته المتراكمة، وانفتاحه على تجارب الفنانين الآخرين، الأمر الذي كشف له عن جذوره، وأعاده إلى الطبيعة الأم؛ هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، أدى به إلى التحرر ومن الأساليب والوسائط التقليديّة، إذ لم يعد محصوراً في فهم الفن كرسمة أو لوحة ذات بعدين، وإنما انطلق إلى آفاق جديدة، اشتغل فيها على الأعمال الفراغيّة والمجسمات.

تنوع

إلى جانب اشتغاله في مجالات الفنون التشكيليّة المختلفة (الرسم، التصوير، النحت، التنصيب في الفراغ) عمل الفنان محمد يوسف في المسرح ممثلاً ومعداً ومهندساً للديكور، إلى جانب عمله الطويل رئيساً لجمعية الإمارات للفنون التشكيليّة.

كما اشتغل على التعبير المسطح (الرسمة واللوحة) والتعبير المجسم (النحت وفن التنصيب) وبخامات ومواد مختلفة أبرزها الألوان الزيتيّة والخشب والخزف، حيث مزج (في أعماله الأولى) بين التشخيص والتجريد، ضمن صيغة تماهت فيها العفويّة بالتزيينيّة، والواقعيّة بالتجريديّة. كما قدم تجارب واقعيّة تشخيصيّة تحمل مقومات وخصائص النصب التذكاريّة، لناحية استقرارها وتوازنها واختزالاتها المعبّرة.

 

بدايات

أمام جملة هذه الحقائق، وبعد أن استنفذ محمد يوسف مرحلة اللعب الفني مع أفكاره التي حملها من أميركا، بدأ يعود إلى العوالم المختزنة في ذاكرته البصريّة، تشده إلى ذلك، بدايات توهجه الفني، وتجاربه الأولى التي نمت وترعرعت ضمن المفاهيم والرؤى الفنيّة التقليديّة التي يستند إليها الفن الذي أنتجته البشريّة خلال مراحل تاريخيّة طويلة وموغلة في القدم.

 

فبعد مرحلة التجريب واللعب وخوض غمار الفن التركيبي والفراغي المفعم بالذاتيّة والغموض والتغريب والحياد المطلق، عاد ليؤسس لمرحلة جديدة، ومشروع فني جديد قائم على العودة إلى عالم الطفولة العفوي والمتخفف من كل قصد فني وتزييني مبالغ فيه، أو متشبث بالحس الاحترافي، وذلك عبر تفاعله وتعامله مع اللون والأنماط والخطوط والأشكال الارتجاليّة المسكونة بالعاطفة والحرارة الانفعاليّة التي تترجمها يد الطفل في كراريس الدراسة، وهذا النمط من الفن، يُمكّن الفنان من الاستماع إلى نداء الكائن الصغير الذي يسكنه، دون تشويش، ودون عبء أكاديمي مقحم، ومن هنا (كما يقول) فإن الأعمال التي اشتغل عليها خلال السنوات القليلة الماضية أشبه بالورشة الفطريّة التي تقوم على العبث الجميل، واكتشاف اللعبة المدهشة، لحظة التقاء الخط واللون مع الورقة البيضاء، أو اللوحة الصامتة.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات