«مملكة الموضة».. رحلة في 600 عام من تاريخ الأزياء - البيان

«مملكة الموضة».. رحلة في 600 عام من تاريخ الأزياء

يقوم المفكِّر وعالم الاجتماع الفرنسي جيل ليبوفتسكي بقراءة تاريخ الأزياء؛ فيعرِّفنا في كتابه الذي يتألَّف من جزأين إلى المعنى الدقيق للموضة، ويغطي أكثر من ستة قرون من التاريخ، كما يحلِّل الموضة التي أكملت سباقها التاريخي ووصلت إلى أوج قوَّتها؛ فقد تمكَّنت من إعادة تشكيل المجتمع كله في صورتها التي كانت هامشية، وأصبحت الآن المهيمنة. لقد فرضت الموضة نفسها كبداية مميزة في مسيرة التاريخ في مقابل عالميتها المزعومة العابرة للتاريخ.

وفي استعراضه يلحظ المؤلف أنَّه وعلى مرِّ القرون استمرَّت أذواق الناس في الفعل والشعور والملبس على ذاتها؛ ففي مصر القديمة استمرَّ الرداء- التونيك مشتركاً للناس والرجال لما يقرب من خمسة عشر قرناً، وفي اليونان، ظل البيبلوس نفسه زياً أصلياً للنصف الأعلى من جسد المرأة، في منتصف القرن السادس ق.م، كما ظلَّ التوج والتونيك في روما زياً للرجال منذ العصور الغابرة وحتى نهاية الإمبراطورية.

وكان الاستقرار ذاته في الصين والهند والحضارات الشرقية؛ حيث لم يقبل المظهر أي تعديلات إلا استثنائياً؛ فقد ظلَّ الكيمونو الياباني دون تغيير لقرون، وفي الصين بقي الزي النسائي على حاله فيما بين القرن السابع عشر والتاسع عشر.

ولم ترَ الموضة بمعناها الحرفي النورَ إلا اعتباراً من منتصف القرن الرابع عشر، وهو التاريخ الذي فرض نفسه بسبب ظهور نمط من الزي الجديد «راديكالياً» الممايز بوضوح بين الجنسين: قصير ومعتدل للرجال، وطويل وضيِّق للنساء.

تُعَدُّ الموضة حسب عالِم الاجتماع جيل ليبوفتسكي نظاماً لا ينفصل عن الشطط والمبالغة والإفراط؛ لأنَّها محكومة بمنطق الاستعراض؛ ففي لعبة الموضة ينبثق الحد الأدنى والحد الأقصى، الزهد والبهرجة، الرواج وما يثيره من ردود أفعال من الأصل ذاته، مهما كانت التأثيرات الجمالية المتعلَّقة التي تستتبعها؛ ودائماً ما يتعلَّق الأمر بمملكة الرغبات، وضمنياً بالمد ذاته من الصيحات والافتتان.

ولهذا لم تتوقَّف الموضة عن إثارة النقد وعن الاصطدام المباشر أحياناً بالمعايير الجمالية والأخلاقية والدينية للمعاصرين. فقد شهد القرن الرابع عشر والخامس عشر استنكاراً عنيفاً من قبل الأساقفة والدعاة ضدَّ «قلَّة الاحتشام».

غير أنَّ الموضة في العصر الأرستقراطي كانت موضة (قومية)، وبدلاً عن وحدة هوية الزي في أوروبا الغربية في القرن الثامن عشر، حرصت كل دولة على تمييز زيِّها إقليمياً، من خلال العناصر الخاصة، اعتباراً من القرن الرابع عشر حتى القرن التاسع عشر، ليختلف عن أزياء جيرانها. لقد سجَّلت الموضة في فضائها صعود الفعل والشعور القومي في أوروبا اعتباراً من نهاية العصور الوسطى.

كما ساهمت، حين قدَّمت الزي القومي، في تدعيم وعي الانتماء للجماعة السياسية أو الثقافية ذاتها. وعلى الرغم من السمة القومية للموضة عبر هذه القرون الخمسة، فإنَّها قد تعدَّدت بكثرة البصمات والتأثيرات وتمَّت ممارستها لخدمة نفوذ الدول وهيمنتها.

ثمَّ يتنقل المؤلف للحديث عن البعد الجمالي في تصميم المنتجات الصناعية، حيث وجد اتساع شكل الموضة نقطة اكتماله الأخيرة، من ناحية الجمالية الصناعية والتصميمية. وتعود الخطوة الحاسمة في هذا التقدم لسنوات العشرينيات والثلاثينيات عندما اكتشفت الصناعات الأميركية الدور المحوري الذي يمكن أن يلعبه الشكل الخارجي للمنتجات في زيادة المبيعات.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات