منذ أن تطلع العرب ﺇلى العالم الأوروبي في القرن التاسع عشر الميلادي وبدايات القرن العشرين، بدأت ولم تنته الآراء ووجهات النظر والحوارات حول الكثير من القضايا الفكرية، والتي يمكن أن نلخصها في اتجاهين، اتجاه تراثي ﺇسلامي، واتجاه تغريبي أو يميل أكثر ﺇلى ما هو غربي وأوروبي المنشأ.

وكان من الطبيعي أن يبرز العديد من أصحاب القلم هنا وهناك، ودارت رحى المعارك الفكرية وحاول كل طرف أن يؤكد أفضلية وجهة نظرة. وبرز في تلك الفترة أحد الأسماء الجادة المفكرة بلا تعصب ولا افتراء، وعن علم، العلامة أحمد زكي (1867-1934)، حيث يحكي سيرته كتاب: «أحمد زكي باشا ومخطوطات الأسكوريال»، لمؤلفه، د.رشيد العفاقي، مبيناً أن الكاتب يمثل الاتجاه نحو الثقافة العربية اﻹسلامية.

وتبدو علاقة العلامة بالأندلس والاهتمام بتراثه، وهو الذي أطلق على الأندلس «الفردوس اﻹسلامي المفقود»، وترجع ﺇلى جذوره وأجداده وقد رحلوا منها ﺇلى عكا ثم أقام أبوه في اﻹسكندرية وتزوج فيها، وأنجب «أحمد».

ويشرح الكتاب أنه كانت أول زيارة له لأحمد زكي للأندلس أو إسبانيا، حيث ذهب ليمثل مصر في مؤتمر المستشرقين عام 1892م، وﺇن أقام في باريس لشهر كامل أثناء العودة، درس فيها الفنون وتعرف عليها.

ثم كانت رحلته الثانية ﺇلى الأندلس عام 1904م، حيث أسهم بدراسة عن العلاقة المصرية الإسبانية.أما إيميليو غرسية غومس وهو أحد الدارسين لعصر الأندلس، فقدم ﺇلى مصر وتقدم لأحمد زكى باشا بخطاب من صديق له في إسبانيا، فكانت بداية علمية هائلة للشاب الإسباني ونال من العلم والتعرف على الحياة المصرية الكثير.

وترصد اﻹحصاءات أن الدراسات التي تركها أحمد زكي باشا عن الأندلس هامة ويكفي أنها أول دراسات من نوعها في العصر الحديث، ومنها:

(مدائن الأندلس)، أتمه ولم يطبع، قاموس الأعلام الأندلسية، مدن الفن في لاندلس، نصوص عن الأندلس مترجمة عن الفرنسية، «سرقسطة» أيام العرب.

أما عن الكتب التي في خزانة الأسكوريال بإسبانيا (أي مكتبة الأسكوريال)، فكتب يردد أن خدمة العلم فرض عين لتقدم المعارف والفنون، وكيف أنه في زيارته الأولى مارس البحث والزيارة للعديد من المدن الاسبانية وبالذات المكتبات بها.

وأكثر ما لفت انتباهه تلك التحف والمخطوطات والكتب في دير الأسكوريال بالقرب من مدينة مدريد، فالكثير من الكتب فيه نادرة. واللافت أنه بسبب الحروب في ما بين الأوروبيين، حرص الإسبان على إرسال العائلات والتحف والذخائر المهمة ﺇلى مراكش، لكن ما بقي بإسبانيا كان كثيراً، وفيما بعد زادت مع رواج فكرة الخدمة العامة والمكتبات العامة، حتى أصبحت 70 مكتبة عامة وهو رقم هائل في تلك الفترة.

وكانت المكتبات مرتبة حسب العلوم والمعارف، وكانت الفهارس شاملة لأسماء الكتب والمؤلفين وعائلتهم وسنة ولادتهم وتاريخ وفاتهم، أما مكتبة الأسكوريال فضمت 44 مجلداً وحدها، كل مجلد 55 ورقة.