منى الخاجة.. فنانة تشكيليّة إماراتيّة أكاديميّة (درست الفن في القاهرة). لها تجربة فنيّة طويلة ومتميزة، مسنودة إلى رؤية واضحة، صادقة، حميمة، وشفيفة، وهذه الرؤية تتوالد في فضاء من الحرية الواسع، تُعيد فيه ومن خلاله، ترتيب آنها ومكانها، فوق سطح لوحتها، بعد أن تكون الحالة الشعوريّة الإبداعيّة، قد تلبست كيانها.. دافعةً إياها للقيام بفعل اجتراح الفن، وهذه العملية تخلّصها من فيض الطاقة في كيانها، لتتفرغ بعدها، لممارسة حياتها اليوميّة، باتزان مادي وروحي. وهكذا، تعاودها حالة اجتراح الفن، كلما وقع بصرها على عناصر وأماكن جديدة قادرة على رجّ مخزون ذاكرتها البصريّة، وشحن عواطفها ومشاعرها، استعداداً وتهيئةً لمواجهة جديدة مع السطح الأبيض البكر، وإطلاق يدها في بهائه الرحب، لاستنهاض وترتيب عالم جديد، تُطل منه على فضاءات الحرية الواسعة، وبالتالي على عمل فني إبداعي جديد.

منصات راسخة
تنهض تجربة الفنانة منى الخاجة على جملة من المقومات والرؤى والأفكار، تشكّل بمجملها، المنصات الراسخة التي تتحرك فوقها، والضوابط والأسس التي تصونها، والمسار الذي يحافظ على وحدتها الأسلوبيّة غير المنغلقة، أو المكررة أو المستنسخة. من ذلك ربط اسم منجزها بفكرته، أو ربط مجموعة من الأعمال المنتجة في أوقات متقاربة، بسمة واحدة. وقد تترك للمتلقي حرية قراءة عملها الفني بالشكل الذي يريد، دون أن تغفل عن ترك إشارات، تساعده على التواصل مع ما أرادت قوله في هذا العمل.
شخصيّة واحدة
رغم أن تجربة الفنانة منى الخاجة تمتد على مساحة زمنيّة تتجاوز خمسة وثلاثين عاماً، إلا أن منجزها الفني (شكلاً ومضموناً) لم يبتعد كثيراً عن المسارات التي رسمتها له، ولا غادر المنصات الواسعة التي وضعته عليها، الأمر الذي يُسهّل على الباحث المتابع تحليله وتصنيفه، اعتماداً على الأسلوبيّة والتقانة التي عالجته ونفذته بها، لا سيّما وأن هذا المنجز عموماً، ظل يمتح مضمونه وأفكاره من بيئة الفنانة ووجدانها وقناعاتها الراسخة، ما يجعله على علاقة عضويّة ووجدانيّة مع المكان الذي يُنجز فيه، وينعجن بهواجس وإرهاصات مبدعته المتمحورة حول موضوع الإنسان الطيب النبيل، المكافح والمناضل في سبيل صون نفسه من العطب والخراب والشغب المحيط به من كل جانب، والذي يزداد ضغطه على بدنه وروحه يوماً بعد يوم.
تراث وتجسيد
لقد أحست الفنانة الخاجة بأن الزمن الجميل المتمثل بتراث الآباء والأجداد، بدأ يأفل ويزول، طاوياً معه حقبة ساحرة مفعمة بالروح الجماعيّة النبيلة التي كانت تُضفي الألفة والمحبة على أهل ذاك الزمن، الأمر الذي حوّلهم إلى أسرة واحدة، تتعاون في السرّاء والضرّاء، وتتكافل في الأفراح والأتراح، وتمارس الحياة بكثير من التعاون والنقاء والصدق والمحبة. ولأنها عاشت جانباً من هذا الزمن في طفولتها ويفاعتها، بين كنف الأهل والأحبة البسطاء الطيبين الذين غادروها الواحد تلو الآخر، تشعر اليوم بالحنين الجارف إليه، خاصة بعد الغياب التدريجي للعادات والتقاليد المجتمعيّة الأصيلة والجميلة التي عاشها الآباء والأجداد. هذا الواقع دفعها لمحاولة استعادة الزمن الجميل الحنون الهارب من الروح وبها، بين ثنايا الأيام والأسابيع والسنين، بالفن ومن خلاله. هذا الفن الذي توزع على عدد كبير من الأعمال الفنيّة التي يمكن تصنيفها في ثلاث فئات رئيسة:

الفئة الأولى
تنضوي ضمن هذه المجموعة، غالبية الإبداعات التشكيليّة التي خرجت من محترف الفنانة الخاجة، وفيها تزاوج ببراعة، بين نزعة تزيينيّة لطيفة ومدروسة الحضور في منجزها التصويري، وبين حس الملوّن أو المصوّر الخبير باستنباط عجائنه اللونيّة البهيّة، والعارف الحاذق بطريقة توزيعها في جسد اللوحة، وتسخيرها للقيام بأكثر من دور ووظيفة فيها.
من هذه المهام، تسخير القيم اللونيّة المتباينة الدرجات والجريئة اللمسة، للتعبير عن تشظيات البيئة، ومظاهر التراث، بصيغة تجريديّة حديثة، تعيش فيها حمولات اللوحة حالة عالية من الانسجام والألفة، ما يحوّل نصها البصري إلى أطروحة جماليّة تتوافق فيها الحداثة والتراث، والأصالة والمعاصرة، والمشخّص والمجرد.وتحمل أعمال الفئة الأولى، عدة معالجات منها: استخدامها وحدات زخرفيّة هندسيّة ونباتيّة، وبعض الحروف العربيّة، في تأليف تكوين اللوحة، مستفيدة من تباين درجات الألوان الحارة والباردة، والفاتحة والغامقة.
الفئة الثانية
تشمل هذه الفئة اللوحات التي عالجت فيها الفنانة الخاجة، الطبيعة، والعمارة، ومظاهر تراثيّة مختلفة، في دولة الإمارات العربيّة المتحدة، كالمراكب الراسية في الخلجان، والبيوت العتيقة، والمآذن، والجدران التزيينيّة، وبعض المشغولات والصناعات اليدويّة الشعبيّة.
وعالجت الفنانة غالبية هذه الأعمال، بنوع من الواقعيّة التسجيليّة الملحاحة على التفاصيل، بهدف إظهار جمالياتها التراثيّة وتوثيقها، لكن النزعة التسجيليّة هذه، لم تمنعها من التنويع في معالجاتها لهذه الواقعيّة، كصياغة أسلوبيّة، وتكوينات، ودلالات تعبيريّة.
الفئة الثالثة
تمثل هذه المجموعة، اللوحات المنفذة بتقنية الألوان المائية الشفيفة، وفيها قامت الفنانة الخاجة، بتسجيل مشاهدات من زيارة لها إلى أحد البلدان الأجنبيّة، بدليل اختلاف البيئة المعالجة فيها عن البيئة الإماراتيّة، ووجود الثلوج في غالبيتها. تُبرز هذه الأعمال الإمكانات المتفوقة للفنانة الخاجة في التعامل مع تقنية لونيّة صعبة، وحساسة، وسريعة العطب، لا تتحمل الخطأ، وتحتاج إلى التأني والجرأة في آنٍ معاً، هي (الألوان المائيّة الشفيفة). أعمال هذه المجموعة تقدمها فنانة واقعيّة أكاديميّة، تسيطر بشكل جيد على أدوات تعبيرها.
