مبدعون و كتاب: الغربة فرصة لإعادة اكتشاف الذات

صورة

المبدع وهو يغترب عن وطنه الأم، يتعرض لمصاعب وتحديات مثله مثل غيره من الناس العاديين الذين اضطرتهم ظروف قاهرة للهجرة، ويتركون وراءهم كل ما كان يطيب خاطرهم ويؤنس وحدتهم ويسمو بحياتهم الروحية، حيث دفء الوطن وحنيته لا يمكن أن يعوضه برد الغربة وتحدياتها المتعددة، لكن المبدع باعتباره مبدعاً يستطيع أن يحول هذه الغربة إلى إبداع عبر التفاعل مع واقع الاغتراب فنياً فيرسم اللوحات الجميلة والأشعار المعبرة عن الحنين للوطن الأم والروايات التي تحتضن الذاكرة وتقدم للقارئ بقالب فني جميل، وحول هذا الموضوع كان لنا حديث مع عدد من المبدعين والكتاب الذين سكنوا الغربة واحترقوا بنار عذابها ومعاناتها، علنا نستشف من خلال أجوبتهم مدى العلاقة التفاعلية بين المبدعين والمغتربات التي يسكنون فيها..

فرصة

الشاعر العراقي المقيم في أوسلو عقيل الساعدي يرى أن الغربة فرصة لاكتشاف الذات بل استعادتها:

الغربة تربة ثانية يزهر فيها الإنسان، مناخ جديد من شأنه أن يوقظ أحاسيس عميقة فياضة وناطقة، الغربة هي التي ندفع بالحنين إلى الواجهة ليتمظهر ويأخذ شكل إبداعات على اختلاف أنواعها.. الطيور المهاجرة لا تستكين ولا تهدأ وهي تغرد باستمرار، كل واحد يمكن أن يعيش الغربة حسب قدراته التمثلية والاستيعابية والتأويلية، وبالنسبة لي الغربة فرصة لإعادة اكتشاف الذات بل وحتى لاستعادتها.

صقل التجربة

أما الكاتبة والإعلامية المصرية المقيمة في باريس فابيولا بدوي فتنظر إلى الاغتراب بشكل إيجابي بقولها إن الاغتراب صقل تجربتها وشخصيتها ولم يكن سلبياً على الإطلاق: بالنسبة لي معنى الغربة بعيد عني إلى حد كبير، الحنين إلى الوطن والعائلة وذكريات الماضي دائم، ولكن هناك فارق بين الشعور بالغربة والحنين، فنحن نشعر بالحنين إلى الكثير مما مر في حياتنا سواء كنا داخل الوطن أم خارجه، أما الغربة فهي شعور يعترينا في البداية، ولكن بعد سنوات طويلة لا معنى لاستمراره، بل على العكس صداه يؤكد على خلل فينا لأنه يعني أننا لم نندمج ولم نستفد ولم نضف أي شئ لمسيرة حياتنا، أما الإبداع فهو مساحة أتصور أنها قد غدت أكثر ثراء بعد ابتعادي عن محيطي، مساحة تغذيها شجون وأفراح ورؤى جديدة لكل ما عشته من مشاعر وتفاصيل لأنني قد أعدت قراءتها وأنا خارج الصورة ولست جزءاً من جزئياتها، من جهة أخرى التعايش في مجتمعات مختلفة لابد وأن يؤثر إيجابياً على الإبداع ويجعله أكثر نضجاً وأكثر رحابة، بل وأكثر حساسية، بسبب تعدد الثقافات والأفكار والتيارات السياسية والاجتماعية والثقافية، بشكل عام لا أعتقد أن الإبداع يفتر أو يشتعل في وجدان وعقل المبدع نتيجة البرد الاجتماعي أو بسبب براكين الحنين، بل يتغير بتغير التجربة والاقتراب من تجارب الآخرين.

ظروف

أما الكاتب المسرحي السوري المقيم في ألمانيا احمد إسماعيل فيقول: ثمة من يردد «اغترب تجدد» وثمة من يفند هذا الزعم بكثير من البراهين، غير أن الأمر في كلتا الحالتين مرهون بظروف الغربة ومسبباتها، وعليه تختلف مشاعر الغربة لدى المغتربين، فثمة من يحن للأهل والأصحاب وبالدرجة الأساس، كالناس العاديين الذين غادروا لأسباب طارئة، اقتصادية مثلاً، وثمة من يحن للمكان في المقام الأول، كما هو الحال لدى المبدع الذي كان يعيش ولا يزال حالة الاغتراب في محيطه الاجتماعي، وبين أهله وخلانه، لينهض المكان في كتاباته بقوة، ويرسمه في نوع من ممارسة الحنين إليه، هنا تكون الضارة نافعة، والتي يمكن أن نضيف إليها أيضا وبشئ من الحذر، فضيلة رسم المكان بألوان أحداثه المختلفة بيد غير ملونة بهذه الألوان.

ورغم ألم الغربة ووجع الشوق واللوعة للوطن وما يرتبط به الإنسان من ذكريات لا تمحى من خارطة الزمن فإنهم -أي من تحدث أعلاه- قد أكدوا على الجانب المضئ من عملية الاغتراب وهو إشراق الإبداع في ليالي الاغتراب - إن جاز التعبير.

تعليقات

تعليقات