محمد أحمد إبراهيم.. صياغات فنيّة خارج التصنيف

محمد أحمد إبراهيم، فنان تشكيلي إماراتي، درس علم النفس في جامعة الإمارات، ومارس الفن التشكيلي بشقيه المسطح «الرسم والتصوير»، والمجسَّم «النحت»، وكثيراً ما يجمع بين الفنين في العمل الواحد. تتسم مسيرته الفنيّة بالتجريب والخروج عن المألوف والسائد.

تقانات متداخلة

ينفذ إبراهيم أعماله المسطحة بأكثر من تقنيّة، حيث نجد الرسم والتصوير وما يشبه الحفر المطبوع والملصق فوق سطح لوحة واحدة منحازة دوماً إلى التجريد والزخرفة والتزيين، مستخدماً في معالجتها تمتمات لونيّة متباينة الدرجة والفصيلة، لكنها متوافقة ومنسجمة ومتداخلة، ثم يزرع أشكالاً زخرفيّة بلون واحد، وحجوم متباينة، مؤطرة بخطوط سوداء صلبة، فوق هذا السطح الشفيف الذي ينوء بأحماله الصلبة والقاسية.

ولأنه اقتصر في الأشكال الغريبة التي رماها فوق سطح اللوحة (هيئة، أصابع، أقدام، بصمات) على اللون الأسود المؤطر بشريط أبيض، ثم بخط أسود صلب، بدت هذه الأشكال مفصولة تماماً عن أرضيّة اللوحة، حيث لا لون تسرب من الخلفية إليها، ولا منها إلى الخلفية، ما جعلها تبدو وكأنها مقصوصة من ورق أو كرتون، ومرميّة فوق عجينة لونيّة كان بالإمكان أن تُشكّل وحدها كيان اللوحة ومعمارها التشكيلي والتعبيري.

لم يُقصر الفنان إبراهيم رسومه على السطح التقليدي للوحة (قماش، ورق، خشب) بل تعداه إلى سطوح الأحجار والصخور المتناثرة في الطبيعة، حيث لجأ إلى تنظيف بعض واجهاتها بوسائط مختلفة، وقام بعدها بإشغالها بالرموز والإشارات والأشكال الهندسيّة المنفذة هي الأخرى، بخطوط سوداء صلبة لا يمكن الاهتداء من خلالها إلى معنى أو دلالة محددة، لتماهيها مع الرموز والأحاجي التي كان الإنسان البدائي قد تركها فوق سطح مسكنه الأول (الكهوف) ومشغولاته وتمائمه، أما إبراهيم فقد وظفها لأكثر من هدف ووظيفة، طامحاً للتغريد خارج السرب؛ فهو (كما يقول) يضع اللون على قماشة الرسم بعفويّة كاملة، ولا يتبع طريقة الرسامين التقليديّة، ولا يريد (الباليتة).

إنه يحترم بول سيزان، ويؤمن بأن (باليتته) هي التي علمته مفهوم التلوين في بناء اللوحة لونياً، وكان بوده القيام بتلوين جبال خورفكان جميعها، بألوان زاهيّة؛ فالفن كما يراه بعثرة متناغمة للألوان، وهو شخصياً يعشق اللون الأزرق والأحمر والأخضر والألوان الأساسيّة والمتممة، ويحترم جداً (أو سوالد، وجوهانس راتن، وبول كلي، وكاندينكسي) وغيرهم من الفنانين والنقاد والكتاب الذين ظهروا في بداية القرن العشرين وما بعده.

دوائر خورفكان

نفَّذ الفنان محمد إبراهيم عملاً دعاه (دوائر خورفكان) مؤلف من مجموعة دوائر متباينة الأحجام، رسمها في التراب على الأرض مباشرة، ثم قام بتنقيتها من الأحجار الصغيرة والحصى، وبهاتين الخامتين أطّر الدوائر التي كان قد رسمها على الأرض، كاشفاً عن لون التراب البني المائل للذهبي الذي كانت تغطيه.

وقد حرّضه ودفعه لإنجاز هذا العمل، مراقبته لهذه المنطقة الجبليّة من خورفكان، عندما كان يذهب وابنه خالد بالدراجة إليها، وقد قاما معاً بإنجاز هذه الدوائر الست المختلفة الحجم، والمعتمدة على حركة الدراجة، وحركة الفكر، وحركة الإنسان في نقل هذه الأحجار الصغيرة من مكانها إلى مكان آخر، تماشياً مع الفن الذي يراه: الحركة، المشي، ركوب الدراجة، الإدراك، الفكر، الانفعال والإحساس، جميعها في حركة دائمة.

يقول إبراهيم إنه لا يريد أن يقف؛ لأنه في حركة مستمرة. طبيعة خورفكان الجغرافيّة والاجتماعيّة في حركة دائمة، وللدائرة إيقاع موسيقي، وهي تدور على محور ثابت.

طبيعة الأحجار في خورفكان دائريّة الشكل، ومن خلال عمله أراد الخروج من الدائرة لكي يوصل سياقه الفني والفكري إلى العالم، مؤكداً أن أعماله لها علاقة وثيقة الصلة بتاريخ الفن من (بول سيزان) إلى (ريتشارد لونغ).

خليط من التقانات

للفنان محمد أحمد إبراهيم تجارب فنيّة مجسمة ومركبة عديدة، بعضها اعتمد فيها على البحث والانتخاب وإضافة اللمسات الفنيّة البسيطة على ما ينتخبه.

وبعضها الآخر، يقوم بتنفيذه في حيز أو فراغ، أو فوق جذع شجرة، أو على الأرض وفوق الصخور، مستخدماً مواد عديدة ومختلفة، من بينها الألوان، والأحبار، والشرائط الملونة، والأخشاب، والنباتات، والحبال، والحجارة، والبلاستيك وغير ذلك مما تقع عليه عينه، وتطوله يداه، ويجد فيه ما يسعفه باستنهاض كتلة في فراغ، أو تجهيز سطح، قادر على احتضان أفكاره وهواجسه.

ولإنجاز ذلك يلجأ إلى صيغتين فنيتين متباينتين: الأولى يستخدم فيها الوسائل التقليديّة التي تفضي إلى أعمال فنيّة (مسطحة ومجسمة) قادرة على البقاء والديمومة والنقل من مكان إلى آخر، والثانية ذات طابع آني، تأخذ طريقها إلى صورة ضوئيّة، أو فيلم، أو تستمر لحين قيامه بتفكيكها، أو تقوم عوامل الجو المختلفة بممارسة هذا الفعل عليها، من ذلك عمله (دوائر خورفكان) و(أشجار مقمّشة في خورفكان) و(أحجار مصبوغة في خورفكان).. وغيرها. المتابع المهتم لتجربة هذا الفنان، يصعب عليه تصنيفها في اتجاه محدد، أو حتى حصرها في تقنية ووسيلة تعبير واحدة.

إنها تجربة مفتوحة، نجد فيها أطياف الفنون الحديثة والمعاصرة، والفنون الشعبيّة المتوارثة، وفنون الإنسان البدائي، وحتى أصداء من فنون الحضارات الراسخة في مصر وسوريا والعراق والصين والهند والمكسيك.

وهو يمارس فنه بحرية مطلقة، على هذا الأساس، من الصعوبة بمكان نسبها إلى جنس محدد من الفنون البصريّة؛ فهي في جوانب منها، تنتمي إلى الفنون التشكيليّة، حيث نجد الرسم والتصوير والحفر والنحت، وفي جوانب أخرى، تتماهى مع ظاهرة تدوير النفايات في أعمال فنيّة آنيّة السمة والخصائص، حيث تتلاشى بعد فترة العرض المخصصة لها، أو بفعل عوامل الجو المختلفة، كالرياح والأمطار.

فنون آنيّة

اشتغل الفنان محمد أحمد إبراهيم على فن قديم، وهو في معظمه لا يدوم ويستمر في أرض الواقع إلا لأيام وأسابيع، حيث تختفي معالمه ومواده وخامته، وتأثيره على الناس، وكل ما يمكن أن يصل منه إلى الأجيال القادمة، هو الصور الضوئيّة، أو الأفلام التي رصدته ووثقت له، وهي الأخرى وسائط لا تحمل خاصيّة الديمومة والبقاء، وتالياً قد لا تتواصل قيمها الفنيّة والتعبيريّة مع الآخرين خارج المكان الذي نصبت فيه، ولا مع الأجيال القادمة، كما تفعل الأعمال الفنيّة التقليديّة المنفذة من مواد وخامات قادرة على تحدي الزمن، وبالتالي الاستمرار في الحياة لقرون طويلة، ما يجعل المعارف والخبرات الفنيّة والفكريّة التي تكتنز عليها في متناول العديد من أجيال الفنانين التشكيليين المتعاقبة.

تعليقات

تعليقات