فلسطينيات يصنعن من أغصان الزيتون أواني وسلالاً

تجلس وأغصان الزيتون وأوراقه حولها من كل جانب، كما النجوم محاطة بالقمر، تتوسد الحاجة أم علي مقعدها لتباشر عملها في صنع سلال للزينة والخضراوات، وصوانٍ مصنوعة من أغصان الزيتون، بعضها ما هو للزينة، والبعض الآخر منها ما يصلح للاستعمال اليومي كسلال يوضع فيها الخبز أو الخضراوات.

بواكير

بدأت تفاصيل عملها منذ الصغر يوم كانت تتجمع أمها ونسوة الحي والأقارب يصنعن من أغصان الزيتون سلالاً، لتبقى بواكير هذه المهنة مستقرة في وجدانها، وهي تشارف على السبعين عاماً!

بأيادٍ تفصح عن نوافذ الحنين في نفس الحاجة أم علي، تبدأ بصنع عشرات من السلال والصواني بجهد شابة عشرينية لا تعرف الكلل أو التعب، ولربما مردّ ذلك أن أغصان الزيتون قدسية تحيي كل ما هو مضمحل في النفوس، فهي رمز الحب والسلام لشعب ما فتئ يوماً أن يجعل من ماضيه وتراثه نموذجاً حاضراً في كل مشهد وحين.

مصدر رزق

الحاجة أم علي، إضافة إلى كون هذه المهنة، هي موهبة تحقق من خلالها شغفها بما كان يمارسه الآباء والأجداد، إلا أنها تتخذ منها مصدر رزق لها تستطيع من خلاله سد احتياجاتها اليومية، فالكثير من الأفراد تشكّل لهم هذه المصنوعات قدسية في النفس، ما يدفعهم إلى شرائها، متخذينها زينة أو للاستعمال اليومي.

ترى أم علي أن هذه المهنة ليست بشاقة على امرأة في سنها، ولكنها تحتاج إلى مزيد من الصبر والهدوء، وهو الأمر الذي يجعل من هذه التحف المشغولات تحفاً فنية حاضرة في الأسواق العامة ولدى تجار التحف، مما يحول دون انقراض هذه المهنة الأقرب للفن التراثي أكثر من كونها مهنة يجيدها بعض كبار السن من السيدات الفلسطينيات.

ذكريات شبابية

بعض الراغبين في اقتناء هذه التحف يقومون برسم بسيط على الورق لنماذج يريدونها وتقوم هي بتطبيقها فناً لتنتج العديد من التحف الفنية التي هي محط أنظار الكثيرين، ممن يرون في اقتناء هذه المصنوعات سلوكاً يعبّر عن مدى انتمائهم لأصالة وتراث هذا الوطن، وعن المتعة التي تشعر بها أم علي، فهي لا يمكن وصفها على حد قولها، فهي بعملها هذا تسترد ذكريات شبابها وطفولتها وأجواء العائلة وأيام الحصاد، وبعضاً من الأهازيج الوطنية التي كان يرددها النسوة وقت الحصاد.

التراث رسالة

مهن أجلّ من أن تندثر يوماً أو يختفي وميضها، فلطالما زخرت فلسطين بنساء كأم علي أوجدوا في النفس شعوراً أن التراث رسالة يسلمها جيل إلى جيل، برغم المسافات الزمنية والمكانية الفاصلة بين هذه المضامين التراثية، فعلى صعيد الشق الآخر من الوطن وفي قطاع غزة تتقن الحاجة أم نائل صناعة المشغولات الفنية من القش وأغصان الزيتون والتطريز، ليس ذلك فحسب، بل تحرص على تنمية هذه الموهبة في نفوس العديد من الإناث اللواتي رغبن في تعلم هذه الفنون، من خلال عقدها دورات عدة على نفقتها الخاصة، استطاعت من خلالها تعليم العديد من الفتيات، ليصبحن بارعات في مجال صناعة سلال القش والتطريز، حيث تقول نسرين رياض (28 عاماً): «للحاجة أم نائل فضل علينا جميعاً، فمن خلالها استطعت تعلم حيثيات صناعة سلال القش والتطريز، لتصبح هذه المهنة هي مهنتي التي أعتد بها، وأنفق بها على نفسي وعائلتي، من خلال بيعي العديد من المشغولات الفنية التي أصبحت مصدر رزقي الأول والأخير».

نسوة شكّلن نموذجاً رائعاً للاقتداء بمهن وتراث الآباء والأجداد، ليبقى الماضي بعراقته بالنسبة إليهن حاضراً لا يغيب.

تعليقات

تعليقات