#هلا_بالصين - الأسبوع الإماراتي الصيني

تشكيلية إماراتية تستدعي خبرات الطفولة

المرأة بطلة أعمال خلود الجابري المتوجة

خلود الجابري بجانب أحد أعمالها | من المصدر

خلود الجابري فنانة تشكيليّة إماراتيّة، درست الإعلام في كلية الآداب بجامعة الإمارات. بدأت مسيرتها الفنيّة الفعليّة عام 1985 بانكبابها على إنجاز أعمال فنيّة بمواد وخامات الفن التقليديّة (قلم الرصاص، الألوان) وتقديمها في المعارض العامة.

لكن لظروف خاصة توقفت عن التعامل مع اللوحة المسنديّة والمنحوتة التقليديّة لمدة قاربت تسعة عشر عاماً، كانت خلالها تمارس أنماطاً من فنون التصميم الغرافيكي المتعلق بالمطبوعات، وهو ما فعلته أيضاً، أثناء وجودها في مدرسة للفنون التشكيليّة في المجمع الثقافي بأبوظبي، حيث قامت إلى جانب التدريس وتنظيم المعارض فيه بتصميم نشرات الكترونيّة ومطبوعات ودعوات وملصقات للفنانين وأغلفة كتب ومجلات خاصة بالأطفال.

بعد عودتها إلى الرسم والتصوير والنحت عام 2009، خاضت الفنانة الجابري غمار التعبير بالألوان المائيّة الشفيفة والاكريليك والنحت بخامة الخشب، معتمدة على الخبرة التي جمّعتها أثناء ممارستها للفن قبل مرحلة الانقطاع الطويلة، وعلى الموهبة الفنيّة المتأصلة فيها والعائدة إلى مراحل مبكرة من طفولتها. فقد رسمت وهي في السابعة من عمرها.

خلود الجابري أوقفت المجسمات الفراغيّة على خامة الخشب وجذوع الأشجار | من المصدر

 

آفاق

تمارس الفنانة خلود الجابري الفن ضمن طقس خاص، ووفق خصائص ومقومات، ذلك لأن علاقتها بالفن مباشرة وحميميّة، وهي عندما ترسم إنما تعبّر بهذا الفعل عما يموج في خيالها من صور، وما يفيض من أحاسيسها. وقبل أن تُقدم على فعل الرسم، تقوم بفتح حوار مع السطح الأبيض أمامها، ممهدة لهذا الفعل، بدراسات سريعة (اسكتشات) تتناول فيها جوانب مختلفة من فكرة اللوحة، والعناصر الأنسب للتعبير عنها، دون أن تُقيّد نفسها بأسلوب أو صياغة فنيّة معينة، وإنما تترك لطبيعة الموضوع، أن يحدد الاتجاه الفني المناسب له.

لذلك قامت الفنانة الجابري بارتياد آفاق الفن المختلفة، بدءاً من الواقعيّة، والرمزيّة والشاعريّة التي يطغى فيها اللون على المضمون، وانتهاءً بالتجريدية، وكانت المرأة الإماراتيّة خصوصاً، والعربيّة عموماً، هي البطلة المتوجة في غالبية أعمالها الفنيّة.

عفويّة وشفافيّة

 

قيم

في مقدمة موضوعات فن خلود، تأتي المرأة بكل ما تحمل من مفاهيم ورؤى وقيم إنسانيّة وجماليّة رفيعة، فهي التي تنسج الحياة بأناة وصبر، عبر تربيتها لأولادها، ورعايتهم، وحمايتهم، وتجهيزهم لتأدية دور مماثل، به ومن خلاله، تتناسخ الحياة وتستمر. لذلك كانت المرأة ولا تزال، صنواً للأرض التي تحتضن فعل حياة الإنسان والحيوان والنبات. أي بين أحضان الأرض ومن تربتها، تنبثق أسباب استمرار الكائنات في الحياة. ومن المرأة وعبرها، تتوالد أجيال البشر، فهي والأرض صنوان، والمنصتان الأساسيتان التي تتكون فوقهما، وتنطلق منهما، وتستمر فيهما الحياة.

من أعمال الجابري | من المصدر

 

رمزية

أما طرائق تناولها لموضوع المرأة، فيأخذ أشكالا وصيغا عدة، بعضها مباشر الدلالة، وبعضها الآخر، يأتي على جناح الرمز والإشارة. من ذلك أعمال معرضها الذي أقامته العام 2012 تحت عنوان (الصندوق) الذي لا بد للأجيال العربيّة المتقدمة في العمر من تذكّره.

فقد كان العنصر الأساس في جهاز المرأة العربيّة. يخرج من بيت أسرتها إلى بيت الزوجيّة، حاملاً ثيابها وصيغتها وحاجاتها الشخصيّة الأخرى المختلفة. وكان عادة ما يُصنع من الخشب، ويُزيّن بحسب إمكانات وقدرات الناس. فهو لدى ذوي الإمكانات المحدودة، بسيط الخامة والصنع والزخرفة التي كانت تطول سطوحه الخارجيّة، وتُشكّل من قطع السجاد، والتنك اللماع بالنسبة للفقراء، ومن خشب ثمين ومتين، تُرسم زخارفه بوساطة الصدف، بالنسبة للميسورين. أما وظيفته فكانت هي هي في الحالين.

هذا الصندوق بنظر الفنانة الجابري، مخزن العالم، والجانب الغامض من حياة الإنسان بشكل عام، والمرأة بشكل خاص، إذ أن جزءاً كبيراً من شخصية الناس وخصوصياتهم وأسرارهم التي لا يريدون لأحد الاطلاع عليها، مخفيّة في هذا الصندوق الذي يمثل أيضاً مرحلة من طفولتها.

زمن جميل

إلى جانب الصندوق بحمولاته التراثيّة والإنسانيّة العميقة، عالجت الفنانة العمارة القديمة في العديد من أعمالها، متأثرة بالبيوت والأماكن التي عاشت فيها ردحاً من الزمن، أو زارتها أثناء تنقلها في كثير من البلدان، فهي شغوفة بالأماكن التي تمتلك جذوراً ضاربة في التاريخ، حيث تتخيل وهي بين أحضانها، الناس الذين سكنوها، والزمن الجميل الذي عاشوه، وقد شدتها إليها البيوت القديمة في سلطنة عُمان، بما تحمل من تفاصيل وبساطة وإيحاء مدهش بالهدوء والراحة.

يُضاف إلى ذلك، اتخاذها للعمارة القديمة كرمز للأمان والعراقة والصمود، ومعالجتها لها في لوحاتها، دعوة صادقة وحميمة لإحياء الماضي الذي جاءت منه، بكل تلاوينه وأطيافه المفعمة بالدعة، والجمال، والبساطة، والقيم الاجتماعيّة النبيلة في التعاضد، والتعاون، والمحبة، وهي تتناولها بأشكال مختلفة، تمزج فيها داخل هذه البيوت بخارجها، وتحرص على أن ترسمها وهي تحتضن بعضها بعضاً، تماماً كما كان الحال مع ساكنيها الذين كانوا يسندون بعضهم البعض، في الأفراح والأتراح، وهو ما تفتقد إليه حياتنا المعاصرة.

واقعية

تنوعت معالجات الفنانة الجابري لأعمالها بتنوع موضوعاتها، لكنها لم تغادر الضفاف الواسعة للواقعيّة المختزلة، أو الواقعيّة التعبيريّة القادرة على فتح حوار مع المتلقي، ووضع بصره وبصيرته، في الجو العام للعمل الفني شكلاً ومضموناً، هذا العمل الذي حرصت على أن يلامس قضايا الإنسان وإرهاصاته، ولاسيما موضوع المرأة، في تجلياتها ووضعياتها المختلفة، وذلك ضمن مفردات التراث، وخصائص المكان والآن في وقت واحد. بمعنى أن الفنانة، وفي غالبية أعمالها، حاولت التوفيق بين تراث بلادها الغني، الثر، والأصيل، وبين عصر الحداثة المفتوحة دوماً على الجديد.

وقد تبدى هذا النزوع السليم والصحيح لديها، في أعمال معارضها كافة، بدءاً من (الصندوق) وانتهاءً في (تجليات في العمارة الخليجيّة) و(محطات)، مع ملاحظة وجود نزوع آخر لديها، لا يقل حضوراً وقوة في أعمالها عن النزوع الآخر، وهو ميلها وشغفها بالرومانسيّة التي تتبدى بوضوح في طريقة معالجتها لوضعيّة المرأة (خاصة وجهها) وربطها المادي والرمزي، بالأرض والعمارة القديمة، مؤكدة بذلك القواسم المشتركة الكثيرة التي تجمع بين هذه الأقانين الثلاثة: المرأة، والأرض، والتراث، وهذه المنصات، هي أساس ومنطلق تجربتها الفنيّة، في مراحلها وانعطافاتها كافة.

تقانات

استخدمت الفنانة الجابري في إنجاز لوحاتها غالبية التقانات اللونيّة، وهي بشكل عام، ميالة إلى الألوان الفاقعة كالأحمر الناري، والأخضر، والأزرق، والأصفر، وهي إما محدودة بدرجة واحدة (طلس) أو متدرجة ومنساحة بحرية في أرضية اللوحة، وقد تمزج بين المساحة الطلس، وبين المساحة المتدرجة، والزخرفة الناعمة المنفذة بخطوط سوداء رشيقة، وهذه العناصر مجتمعة، تشكّل معمار لوحة الفنانة الجابري التي تتأرجح كمضمون، بين المرأة والبيوت والتراث الذي ترمز إليه بأشكال مختلفة، من ذلك إدخالها للوحدات الزخرفيّة الشعبيّة التي تحملها النجود والسجاجيد والسدو، إلى ثوب المرأة.

مجسمات فراغيّة

مجسمات خلود الجابري الفراغيّة، أوقفتها على خامة الخشب وجذوع الأشجار، حيث قامت بالبحث عن الخشب الذي كان يُستخدم في صناعة المراكب والسفن القديمة التي باتت اليوم مهجورة ومنسية ومهملة، وأنجزت به أعمالاً مجسمة بطريقة التجميع والتشكيل على هيئة قطع هندسيّة شاقوليّة متباينة الأطوال (تُلوّن بعضها أو أجزاء منها) ثم تقوم بتنصيبها في الفراغ، ضمن تكوين مدروس.

تعليقات

تعليقات