من على «وكر النسور»، على جرف أبرشية زينور في مقاطعة كورنوال البريطانية، أطل باتريك هيرون" 1920-1999" بنظرة ثاقبة على البحر والمستنقعات والطريق القديم الوعر الممتد من سانت آيفس إلى سانت جاست، وعلى حديقته الغنّية بالكرمة وأزهار الأزالية والكاميليا والنباتات الاستوائية التي تنمو على الممرات الوعرة وبين صخور الغرانيت الضخمة.
وهكذا بقي وانكب على تلك الحال طوال 40 عاماً بينما هو يسبر بطرق مختلفة النماذج المجردة الكامنة في مشهدية الحجر والمروج، والوشائع الدائرية المربعة الغريبة المقلمة لتقاوم عواصف الساحل، وزخرفات الأزهار والأزقة المتعرجة، إذ يصورها في لوحات أشبه بشبكات منسابة من الخطوط وحجرات الألوان المنبثقة من مساحات فراغ شاسع.
وكتب حول ذلك قبل وفاته يقول: «تلك كانت المشهدية التي غيّرت حياتي، المنزل بموقعه شكل مصدر إلهام لوحاتي مجتمعة». إنه بالفعل ما يجسّده معرض تيت في سانت آيفس، وهو المعرض الاستعادي الأول منذ وفاة هيرون عام 1999 الذي يجسّد بشكل مثالي هذا الرابط الجميل بين الرسام والمكان.
«الحديقة الذابلة»
تأخذك لوحة «الحديقة الذابلة» إلى حيث كان هيرون متمركزاً على ارتفاع 600 قدم فوق سطح البحر، حيث الدوامات الإيمائية والحلقات والفواصل والدوائر المتناهية المغمورة بالألوان الزهرية البنفسجية مع لطخات من الأخضر العشبي، لتعطيك الانطباع بأنك أمام وجهات نظر متعددة متزامنة وضباب البحر يحولها جميعاً خيالات متوارية. أما لوحة «حديقة الكاميليا» الخفاقة فتنبض بأحمر وذهبي متفجرين، ولطخات وقطرات متداخلة، وضربات أفقية تمنحك الشعور بأنك داخل الحديقة.
وتعتبر تلك اللوحات المنقحة التزيينية التقليدية من حيث اهتمامها المفرط باللون والشكل أكثر إنجليزية لجهة الأساليب اللطيفة المؤدية إلى تلك التقليدية. وهي تفسر ما كتبه هيرون بنفسه قائلاً: «السطح المنظم على نحو مثالي يمنحني متعة عظيمة».
