هل يعتبر إقبال الشباب على الروايات أكثر من الفتيات؟ وهل تشكل الرواية عنصراً قرائياً جاذباً للشابات أكثر من السيدات اللاتي كبرن في السن وتجاوزن مرحلة الشباب؟

سؤال تختلف حوله آراء العديد من الكتاب والروائيين والنقاد؛ بسبب عدم وجود أدلة علمية تزيل الغبار عن ظاهرة باتت شبه ملموسة لدى العديد من المتابعين للفن الراقي، ألا وهو الرواية.

فيما يلي نستطلع آراء بعض الكتاب والروائيين والنقاد والمتابعين لكي تتضح الصورة ويزول بعض الغموض حول هذا الموضوع الشيق والمثير للانتباه والجدل في آن.

فراغ عاطفي

تقول الباحثة والروائية المصرية الدكتورة نوال السعداوي:

في رأيي أن الشباب غير المتزوجين من الذكور والإناث يحبون قراءة الروايات العاطفية والتي تحكي عن الحب أكثر من الكتب الأخرى، بسبب الفراغ العاطفي الذي يستحوذ على الكثير منهم في حياتهم الواقعية.

وبعد الزواج يصطدمون بالواقع والحقيقة، وتقل أشواقهم للحب والخيال. في الوقت الذي يحفل عالم الروايات بأعمال مذهلة وباهرة لا يقبل عليها كثير من الشباب، بسبب عدم توافقها مع ما يرغبون به، وإن كانت نسخ تلك الروايات بيعت بالملايين.

ويقول علي بحسون، الناشر بدار الفارابي في بيروت، إن المرأة العربية الشابة تهتم بقراءة الرواية بشكل عام أكثر من غيرها من الشباب والنساء. أنه من الجميل أن يطرح مثل هذا السؤال، والأجمل أن نعلم أن المرأة العربية قارئة نهمة ومتحمسة؛ سواء للرواية أو لما سواها من فنون أدبية أخرى..

ويسعدني أن تصنف المرأة قارئة نهمة للعلوم والمعارف، لكنني في العادة لا أتحمس في إطلاق الأحكام والصفات دون مرجعية علمية موثقة، تستند إلى إحصاءات شفافة وحيادية.

تجارب حياتية

من جانبها، تؤكد الروائية الإماراتية فتحية النمر على حيثيات الاهتمام بالرواية، بغض النظر عما إن كانت المرأة العربية شابة أم لا؛ فالرواية في رأيها تحوي كل شيء، ويستفيد منها جميع الفئات، بغض النظر عن المرحلة العمرية؛ إذ تجد فيها المرأة الفائدة والمتعة.

والتشويق، كما تجد فيها التحرر من كل شيء يؤذيها، وتحلِِّق حرة في الأجواء التي تحلم بها؛ ففيها الإيهام بالواقعية، التي تمسك بيدها نحو عوالم لم تعشها أو منعت منها، وأخرى كثيراً ما تمنتها.. لكن الكاتبة فتحية النمر تشترط أن تكون الرواية جيدة، ومكتوبة بإخلاص وثقة من الروائي، الذي يعرف ما يريد ويعرف أيضاً ما لا يريد.

وإذا جاءت الرواية بهذا الشكل، فلن تكون استراحة للنساء، فحسب – بغض النظر إن كانت شابة أو في مراحل عمرية أخرى فحسب – بل إنها ستكون بلا شك محطة لكل الناس، ومن كل الفئات والأعمار.

الرواية إن جاءت بالشكل المطلوب ستغنيك عن الكتب العلمية الجافة، والتاريخية الخالية من الروح، وستكون عوضاً عن الشعر الراقي، الذي تهفو إليه نفوسنا، كما ستشكل معيناً ينضح بالخبرات والتجارب الحياتية التي عاشها إنسان مثقف يستحق نتاجه الأدبي أن يطلع عليه الآخرون، وإن اختلف عنك في زمانه ومكانه وشكله، إلا أنك لا محالة واجد نفسك في تفاصيلها.

وتؤكد النمر أن السبق صار للرواية، بدليل أنه حتى الشعراء الآن يلجون أرض الرواية ويتدافعون نحوها، وذلك للتأكيد على أن هناك أشياء عندهم لم يستطيعوا تفريغها في الشعر، وكذلك نجد القصاصين والصحفيين، وكثيرين أصبحوا يكتبون الرواية أو يحلمون بأن يقتحموا غابات الرواية وفضاءاتها البكر الكثيرة.

والتي لم تكتشف بعد، فهي بسحرها الآسر والمحرض دغدغت خيال الجميع، ولكن هل كل نص يستحق أن يقال عنه رواية، لمجرد أن فيه شخوصاً وأحداثاً وأمكنة وأزمنة؟ تعتقد النمر أن الأمر أكثر تعقيداً من هذا.

ضيق الوقت

وفي هذا الصدد، تقول الإعلامية العراقية صبيحة شبر: ربما يوجد تعميم بالسؤال، والجواب في مثل هذه الأمور يجب أن يكون علمياً بمعنى أن نطرح السؤال على فئة من البشر نساء ورجالاً من مختلف الاهتمامات وتنوع الثقافات، لماذا تهتم المرأة بالرواية أكثر من الشرائح البشرية الأخرى؟ ولماذا تهتم المرأة بالرواية أكثر من الأصناف الإبداعية الأخرى؟ وما نوع النساء المهتمات بالرواية؟

وهل يكون اهتمام النساء بهذا الجنس الأدبي أكثر من اهتمام الرجال؟ خاصة وأن التهمة الموجهة للنساء عادة أنهن قليلات الاهتمام بالإبداع.. لكن الواقع يؤكد أن المرأة الواعية المثقفة تهتم بكل صنوف الإبداع؛ القصة والرواية والشعر والمسرح والسينما والرسم والنحت وكل الفنون، وهذا لا يقتصر على الرجل الواعي والمثقف فقط. وتسأل صبيحة شبر في هذا الصدد:

هل سحبت الرواية الاهتمام من الشعر حتى تكون الرواية موضع اهتمام القارئ العربي، وخاصة النساء القارئات ومنهن وفي الطليعة النساء الشابات؟ وهنا تبين أن الاهتمام يكون بالشعر والقصة القصيرة لأنهما يتميزان بالقصر، مما يسهل على المتلقي الاطلاع عليهما وقراءتهما في وقت يسير، لكنها ترى أن الرواية طويلة مما يصعب على المرأة العاملة أن تطلع عليها وتلم بقضاياها في وقت قصير.

ولكن ثمة روايات ورغم طولها استطاعت أن تحوز على إعجاب المتلقي، لأنها تتحدث عن حياته وتحلل أسباب فرحه وحزنه، وأفضل الروايات تلك التي تتحدث عن حياة أمة من الأمم فتصف حالات انتصارها ومواضع إخفاقها، وأجد أن المرأة الشابة خاصة تهتم بكل صنوف الإبداع وليس جنس الرواية فقط.

الجيل القارئ

وتقول القاصة السورية المغتربة ماجدولين الرفاعي: أذكر أنني كنت في السنة الإعدادية الأولى حين استعرت أول كتاب من المركز الثقافي العربي في مدينتي، كانت الاستعارة بحاجة إلى هوية شخصية، لم أكن قد حصلت عليها لصغر سني.

ولكني اعتمدت على صداقة والدي بجارنا أمين المكتبة في وقتها فاستعرت رواية «إني راحلة» حملتها ككنز صغير وطرت بها إلى البيت، كنت أشعر بأنني قد بدأت للتو في مرحلة الفتوة والشباب وأنه علي اختيار رواياتي بنفسي بعد رحلة كنت أراها طويلة بين مجلات الأطفال والألغاز ومغامرات أرسين لوبين، وقصص أجاثا كريستي وقصص جرجي زيدان للفتيان.

هكذا بدأت أتطور في قراءة الروايات؛ فبعد «إني راحلة»، قرأت ثلاثية نجيب محفوظ وبعض روايات إحسان عبد القدوس، ثم توجهت الى الأدب الغربي، فقرأت «البؤساء» و«الدون الهادئ» وما إلى هنالك من الروايات العالمية التي كانت تصدر عن دار الآداب في بيروت وتباع بأسعار زهيدة على الأرصفة، مما شجع جيلنا هذا الآن في العقد الخامس والسادس .

وما زال جيل القراءة بامتياز، ولا أظن أن هنالك جيلاً ينافسه رغم أني بدأت ألحظ باهتمام الشابات بالقراءة أخيراً بعد سيطرة وسائل التواصل الاجتماعي لمدة طويلة على حياتنا وابتعاد الجيل الشاب عن القراءة والكتب، ويبدو أن مرحلة الانبهار بالتقنيات الحديثة قد بدأت بالانحسار ليعود للكتاب ألقه ومكانته وما علينا إلا الاهتمام بهذا التطور وحث دور النشر والمطابع على تأمين الكتب بأسعار تشجيعية.

ثقافة الإنترنت

ويتحدث الكاتب والباحث المصري عمر الوفدي قائلاً: ثمة في مصر الآن إقبال ملموس من بعض الفتيات على قراءة الروايات الورقية الجديدة لبعض الكتّاب الجدد، وهذا دليل مبشر بالخير للبعد عن ثقافة النت ووسائل التواصل الاجتماعي، التي لا تنمي العقول.

وساعد على تلك الظاهرة طبع أغلب الروايات الجديدة بأسعار رخيصة من بعض المكتبات ودور النشر غير المعروفة بسرقة الرواية وطبعها بدون علم الناشر الأصلي، وتلك قضية أخرى، كما أن انتشار المعارض الثقافية للكتاب بأغلب محافظات مصر سهل على الجيل الجديد اقتناء بعض الروايات للاطلاع والمعرفة.

عموماً يمكن القول إن الرواية أضحت الفن الأكثر قبولاً في الأوساط الاجتماعية المثقفة وربما تكون المرأة الشابة وبخاصة الجامعية وأيضاً الشاب الجامعي أكثر إقبالاً على اقتناء وقراءة الروايات وبخاصة العاطفية منها؛ لأن هذا يملأ فراغه الزمني والعاطفي كما ذهبت إلى ذلك الباحثة الاجتماعية والروائية المصرية المعروفة نوال السعداوي في بداية هذا التحقيق.

إقبال

تؤكد آراء النقاد والباحثين في المجال الثقافي والأدبي أن الرواية أضحت الفن الأكثر قبولاً في الأوساط الاجتماعية المثقفة.

وربما تكون المرأة الشابة، وبخاصة الجامعية وأيضاً الشاب الجامعي، أكثر إقبالاً على اقتناء وقراءة الروايات، إذ إن مرحلة الشباب تشكل فترة زمنية تعتري الشباب فيها الكثير من الحالات والانفعالات التي يحتاج لدرئها إلى التعرف على عوالم أخرى قد يجد فيها هروباً من الواقع الذي ألم به وتسلية له مما يكابده.