ما زال الاتجاه الفني الحروفي، يستقطب المزيد من التشكيليين العرب المعاصرين المسكونين بهاجس المواءمة بين الأصالة والحداثة أوبين التراث والمعاصرة في منجز بصري مغاير كمعمار جمالي ودلالي، عما وصلنا من الغرب.
معمار يقيم علاقات عضويّة ووجدانيّة مع المكان وتراثه البعيد والقريب، من هؤلاء الفنانين الفنان الإماراتي عبد القادر الريس، الذي يزاوج في أعماله الحروفيّة، بين القدرات التشكيليّة والقدرات التعبيريّة المتفردة للحرف العربي الذي يقوم بتوظيفه كعنصر بصري رئيس في معمار اللوحة، زارعاً إياه فوق خلفية مؤلفة من شرائط لونيّة متداخلة ومتباينة كدرجة (حار وبارد، فاتح وغامق) وكتموضع «أفقي وشاقولي».

تكوين قوي
هذه المعالجة المدروسة والمتقنة للحرف وخلفيته، تفضي إلى خلق تكوين قوي ومتماسك وغني بصرياً ودلالياً، في هذه اللوحات، ذلك لأنه يُعالج الحرف العربي فيها، برؤية مصوّر وليس برؤية خطاط.
وهو ما سبق وفعله الفنان التشكيلي السوري الرائد محمود حمّاد، في تجربته الحروفيّة التي توج بها مسيرته الفنيّة الطويلة والمتشعبة، التي كان قد مهد لها بالدراسة الأكاديميّة، ثم بالعمل على الاتجاهات الواقعيّة المتدرجة في انفتاحها على التجريد والاختزال.
يقول الفنان الريس إن دخوله إلى رحاب الحروفيّة، جاء بدافع الكشف عن مكنوناتها الجماليّة، خاصة وأنها تشكّل إحدى وسائل تحقيق هويّة فنيّة عربيّة إسلاميّة معاصرة، مُنبثقة من صلب تراث عريق، طالما استقى منه الفنان العالمي هنري ماتيس الكثير من مفرداته الجماليّة، بعد أن تعرف إليه عن قرب في بلاد المغرب العربي، إضافة إلى الكثير من أساطين الفن التشكيلي العالمي، كبول كلي، وكاندينسكي، وبيكاسو..وغيرهم.
تجربة فنية
ويؤكد أن اللون هو العنصر الأساس، والمنطلق الرئيس في تجربته الفنيّة عموماً، وطريقة تعامله مع اللون يتوقف على عوامل غامضة في ذاته، مرتبطة بما يجري حوله من أحداث. مثال ذلك طغيان اللون الأحمر على أعماله في مرحلة من المراحل، كان بسبب الأحداث الدمويّة في فلسطين، أما الألوان الأقل توتراً فتشي باستقراره النفسي.
وقد وفق الفنان الريس في الوصول إلى أسلوب فني خاص به، استخدم فيه بعض الأشكال الهندسيّة كالمعينات والمربعات، مشيراً إلى أنه كان يُركّز على الوحدات التراثيّة، ويحتفي احتفاءً خاصاً بالبحر في عدد من أعماله، استناداً إلى إيمانه بضرورة نقل البيئة الخليجيّة الفائقة الغنى إلى الفن.

ويرجو الفنان الريس أن تكون لوحاته الأحلى هي تلك التي لم يرسمها بعد، وهو لا يبدي قلقاً من تفاعل وتأثير نتاجات المبدعين الأجانب على المبدعين العرب في القادم من الأيام أو العكس، حيث يمكن تطعيم أعمال الأجانب، بالرؤى المحليّة التي تمتلك الكثير من مقومات الجدة والثراء، والتفاعل بين المبدعين، وهو أمر لا بد منه، لكن يجب أن يتم هذا الأمر، على أساس من الثقة بالنفس وبالمنجز الإبداعي المحلي.
تكوين متماسك
لوحة الفنان الريس، ومنذ البدايات الأولى لانطلاقتها، حافظت على تكوين متماسك، وقطع مدروس للمشهد، وزاوية رؤية متميزة، واستخدام سليم للخط «الرسم» واللون، واختيار موفق للموضوع اللصيق بتراث بلاده الغني والأصيل والجميل. بمعنى آخر: لوحته محسوبة بدقة كبنية تكوينيّة، ولون ورسم، وتحمل لغتها البصريّة، وهج الضوء في بلاده.
وتأثيرات مناخها وطبيعتها، ولأنه يحرص على أن يقيم جسوراً متينة، مفعمة بالحب، بينه وبين بيئته، بمكوناتها التراثية العريقة، سواء عبر مضمون اللوحة، أو صيغة معالجته له، ينتقل هذا الحب بسلاسة، إلى الحاضن والمحضون في لوحته: إلى شكلها ومضمونها، بدليل تنويعه في أسلوب هذه اللوحة.
وفقاً لموضوعها. فهو في معالجته للعمارة التراثيّة القديمة، يبدو مهندساً دقيقاً وبارعاً، في طرائق توزيع حمولاتها من عناصر ومفردات وألوان، كونه على دراية تامة ببنيتها التصميميّة والدلاليّة، ومتمكن من مرجعياتها الواقعيّة، ومدركاً للمهام الرئيسة التي خُلقت من أجلها. الأمر نفسه ينسحب على تجاربه الحروفيّة، التي برزت فيها بقوة خصيصة المصوّر (الملوّن) المتمكن والعارف بأسرار اللون.
وتدرجاته، والإيقاعات الناتجة عن تجاور درجاته المتباينة، وقيامه بانتخاب أفضل الأشكال اللينة والقاسية، الصغيرة والكبيرة، الحاضنة لهذه الألوان، ومن ثم فهو يُتقن عملية توزيعها في معمار اللوحة، بحيث تفضي في النهاية، إلى منجز بصري، يُعبّر بصدق وأمانة، عن عشقه وانحيازه الصريح والمطلق لتراثه.
يشار إلى أن عبد القادر الريس، من مواليد دبي، وواحد من أبرز الفنانين التشكيليين الإماراتيين الذين عالجوا في أعمالهم العديد من الموضوعات، المتمحورة حول التراث الإماراتي ومظاهره المختلفة.
