شكّل الخط العربي أحد المظاهر البارزة والرئيسة للحضارة العربيّة الإسلاميّة، تطور مع تطورها، وكان أهم روافعها وحواضنها، والوسيلة الرئيسة في نشرها وتعميمها، وفي نفس الوقت، عُومل الخط العربي كعمل فني قائم بذاته، له خصائصه ومزاياه التشكيليّة والتعبيريّة التي شهدت تطوراً كبيراً بتطور هذه الحضارة.
وما زال الخط العربي، حتى يومنا، موضع اهتمام وبحث وتجريب، وحرص بعض الخطاطين الموهوبين المسكونين بروح الفنان، على تطوير هذه التشكيلات، وابتكار طرز جديدة منها، ومن هؤلاء الفنان الإماراتي محمد مندي، الذي دفعه عشق الخط العربي والرسم، لجمعهما في منجز بصري واحد، ضمنه لمساته الخاصة، وأسلوبه المميز، وقد تطور هذا المنجز بعد استفادته من تجارب التشكيليين في الرسم والتلوين.
يرى الفنان مندي، أن كتابة الخط العربي هي كالرسم، رغم وجود اختلاف بينهما، لكن كما على الرسام مراعاة القواعد الأكاديميّة في رسومه، على الخطاط أيضاً، اعتماد الدقة، ومراعاة الأصول والقواعد في خطوطه.
إضافة فنيّة
هذا الفنان عشق الخط العربي منذ نعومة أظفاره، وقام بدراسة قواعده وأصوله في مدرسة تحسين الخطوط العربيّة بالقاهرة، وحصل على دبلوم الأوائل على مستوى جمهورية مصر العربيّة العام 1977، وعلى المرتبة الأولى في الخط العربي على مستوى الجمهوريّة، كما تتلمذ على يد الخطاط الكبير سيد إبراهيم في القاهرة.
انتسب إلى جمعيّة الإمارات للفنون التشكيليّة، وشارك في غالبية معارضها، أقام أول معرض فردي لأعماله في قرية الغوص والتراث عام 1999، والمعرض الثاني في بيت الشيخ سعيد آل مكتوم بدبي عام 2000، والثالث في أبوظبي، والرابع في معهد العالم العربي بباريس العام 2001.
وهكذا تتابعت سلسلة معارضه داخل الإمارات وخارجها، وتابع تجاربه في مجال الخط المكرّس لأكثر من مهمة ووظيفة، ككتابة الخطوط لعدد من الصحف والمجلات، والعملة الورقيّة لدولة الإمارات، وتخطيطه لثماني آيات قرآنيّة في مسجد المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، ومساجد أخرى كثيرة.
ورغم إقرار الفنان مندي بالقدرات التشكيليّة اللامحدودة للخط العربي، وتمتعه بخاصيّة التجاوب مع الفنون البصريّة الحديثة، إلا أنه يربط استخدامه في الطروح التشكيليّة المعاصرة، بضرورة التزام الفنان التشكيلي الحروفي، قواعد الخط وأصوله التي يعتبرها جوهر جمالياته.
لمندي تجربة واسعة وغنيّة في الجمع بين الخط العربي والرسم، عبر لوحات تشخيصيّة، وهذا ما فعله الخطاط العربي القديم، الذي حاول عكس معنى الكلمة أو العبارة، بإعادة تشكيلها بصرياً.
استخدامات
النظرة التقديسيّة للغة العربيّة التي نزل بها القرآن الكريم، دفعت الخطاط العربي والمسلم إلى التفنن بكتابة آياته وتزيينها بالزخارف الهندسيّة والنباتيّة، لكن هذه الحالة لم تقتصر على كتابة المصاحف، بل تعدتها لتشمل أجناس وضروب الفنون العربيّة الإسلاميّة كافة، بدءاً من العمارة والفنون التشكيليّة والتطبيقيّة، وانتهاءً بالحِرف والصناعات والمشغولات اليدويّة، وهذه الفنون عموماً، تكاملت وظيفياً وجمالياً، وهذه سمة تنسحب على الفنون الشرقيّة بعامة، والفنون العربيّة الإسلاميّة بخاصة.



