علّمنا التاريخ أن الثابت متحول، والمتحول متغير، والمتغير يحمل معه إما اندثاراً لحضارة أو حرفة أو مهنة، لتحل مكانها صناعات جديدة حملتها ثورة التكنولوجيا والابتكار، إلا أن بعض الحرف تبقى لها مكانتها في ذاكرة التاريخ كجزء من هوية وإرث المجتمع والأجيال. ومثال عليها تجارة اللؤلؤ الذي اشتهرت به منطقة الخليج إلى جانب كونه جزءاً من تراثها كزينة وحرفة وصناعة شكلت العصب الرئيس للاقتصاد قبل اكتشاف النفط.

ولمعرفة المزيد عن تراث هذه المهنة بين أمس كحرفة، واليوم كتراث يشكل جزءاً من هوية الإمارات، التقت «البيان» تاجر اللؤلؤ مصطفى الفردان، الذي أبحر بنا في رحلة بين ذاكرة الماضي وضفاف الحاضر.

جدي «الطواش»

«ورثت مهنة تجارة اللؤلؤ عن جدي الطواش وهو لقب يُطلق على المختص في هذه التجارة، وجدي أخذها بدوره عن أسلافه على مدى يقارب من 350 عاماً. ويعود تاريخ هذه التجارة المرتبطة بالغوص واستخراج اللؤلؤ لأكثر من سبعة آلاف عام، وانتقلت إلينا حسبما يقول أحد المؤرخين من خلال شركة هند الشرقية في بداية القرن التاسع عشر، وكانت تجارة رائجة في ذاك الزمان وشغف الأمراء والسلاطين والملوك والأثرياء باللؤلؤ كبير» يقول الفردان عن رحلة الماضي.

ويعود ليُبحر بنا إلى الحاضر عبر قوله: «أبحث اليوم في محورين، أولهما عوامل البيئة والمناخ التي ساهمت في الانحسار النسبي لوفرة محار اللؤلؤ في البحار، ومتابعة مستجدات الدراسات والأبحاث بهذا الشأن بما فيها التواصل مع المختبرات والهيئات العالمية المتخصصة».

متحدون بالمسؤولية

وينتقل الفردان إلى المحور الثاني قائلاً: في سياق رؤية الإمارات 2012 التي أطلقها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، التي تشمل متحدون في المسؤولية والاستناد إلى التراث الوطني الأصيل بمفهوم الاستدامة، أقوم بدوري في تطبيق هذا المفهوم عبر توثيق ونشر تراث صناعة اللؤلؤ والتجارة به في الإمارات.

الشريان الحيوي

ويعطي أمثلة عن بعض مبادراته في هذا الإطار قائلاً: ما أسعى إليه على مستوى الفرد يبدأ من أفراد أسرتي وجذب أبنائي إلى اكتشاف عوالم هذه التجارة التي كانت الشريان الحيوي للحياة في الإمارات من الغوص إلى معالجة اللؤلؤ وصقله وخرمه، والعلاقات بين الغواصين والنوخذة، والأخير والتاجر الذي يتعامل مع وكلائه في الخارج وهكذا.

ويتابع بحماس: «أما على المستوى العام فأنا أحرص على المشاركة والتواجد في مختلف الأنشطة التراثية المحلية والخارجية لعرض هذا الإرث بالوثائق والصور ودرره على اختلافها، ومثال عليها المعارض الدولية التي تنظمها الهيئات الحكومية أو بعض الجهات، كذلك الأنشطة الرياضية التراثية كسباق القفّال للسفن الشراعية السنوي».

مكانة

يقول مصطفى الفردان حول قيمة اللؤلؤ في هذا العصر: «يسبق اللؤلؤ الطبيعي الألماس في رتبته في إطار فكرة الاستثمار به، فإن كان سعر كيلو الذهب على سبيل المثال 100 ألف، فإن كيلو اللؤلؤ يعادل 10 ملايين. والسبب في قيمته الاستثمارية أنه أصبح نادراً، أما الصعوبة فتتمثل في إيجاد مقتنين له كونهم قلة ولا تتجاوز نسبتهم 1 %».