#هلا_بالصين - الأسبوع الإماراتي الصيني

الأب الروحي للمبدعين الإماراتيين وأحد أعلام الثقافة العربية البارزين

محمد المر.. مثقف موسوعي مسكون بقضايا المجتمع

الأخ محمد المر شخصية ثقافية متميزة، ليس على مستوى دولة الإمارات فحسب بل يمكنني بأن أعده متميزاً على المستوى العربي عامة، إذ يملك من الإمكانات والقدرات الثقافية ما يعطيه ويبوئه هذه المنزلة الثقافية الرفيعة.

وإنك حقيقة لتبهر من المستوى الثقافي لهذه الشخصية الرائدة في هذا المجال، والتي تملك من الميزات والخصائص الثقافية ما يجعلك تفخر وتعتز بأن يكون أحد زملائك ومواطني دولتك بهذه الخاصية وعلى هذه الدرجة التي تبرز في محمد المر بشكل واضح وجلي، وتتجذر في قامته وأنا لا أقول ذلك مجاملة له ومحاباة لصداقتي معه، ولكنني لطول خبرة ومعرفة طويلة به إذ تعود هذه الصداقة لأكثر من ثلاثين عاماً مضت من الارتباط الثقافي والأدبي معه، فقد التقيته منذ بداية ذلك التاريخ وارتبطنا معاً بعلاقة من المودة والصداقة التي ترقى في حقيقتها إلى درجة الأخوة التي عمقها الهم الثقافي المشترك الذي كان يشغلنا منذ البدايات إذ فكرنا معاً، مع بعض الأصدقاء، في أن نوجد لنا ملتقى ثقافياً يجمعنا نمارس فيه هواياتنا بحيث يكون لقاؤنا كل أسبوع في بيت أحدنا نتناول فيه موضوعاً ثقافياً نشارك في طرحه ومناقشته.

فكان أول لقاء لنا في ذلك في منزلي، إذ ضمت قائمة الحاضرين الكثيرين، بعضهم من توفي إلى رحمة الله وبعضهم من لا يزال موجوداً في الحياة - أمدّ الله في أعمارهم -، ومنهم: المرحوم سلطان العويس الشاعر والأديب المعروف، المرحوم د.أحمد أمين المدني المثقف المشهور، المرحوم محمد بن حاضر الشاعر الكبير، الأديب محمد المر، الأديب عبدالغفار حسين، الأستاذ عمران العويس، الأديب بلال البدور، الأستاذ خالد محمد أحمد، الدكتور سعيد حارب، الشاعر سيف المري، الأستاذ طارق الأشرم، الأستاذ نبيل قرقاش.

إبراهيم بوملحة

 

 

أساس وبدايات

طرحنا في هذه الجلسة موضوع اللقاء الثقافي الأسبوعي فيما بيننا، حيث تقدّم محمد المر بفكرة مكتوبة لتطوير هذا اللقاء المحدود تتضمن تأسيس مقر لهذا العمل الثقافي وإشهاره قانوناً وممارسته بشكل منظم، واستحسن الملتقون هذا الطرح. وكان من أكثر المتحمسين الراحل سلطان العويس الذي وعد بشراء مقر خاص لذلك. وأوصى الحاضرون في نهاية جلستهم بعرض الموضوع على صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، الذي له اهتمام كبير بالشأن الثقافي، بصفته أديباً وشاعراً وحاكماً يهمه أن يرعى مثل هذه الأنشطة وأن يدعم أفكار المثقفين وتطلعاتهم وتحقيق أمانيهم، حيث أسفر اللقاء مع سموه في هذا الشأن، عن المزيد من الحماسة والتأييد لهذه الفكرة والسير قدماً في تحقيقها بأسرع ما يمكن مع تقديم سموه كل الدعم المادي والمعنوي لها.. وكانت تلك هي بداية فكرة إنشاء ندوة الثقافة والعلوم بدبي، إذ تمخض ذلك عن اختيار لجنة تأسيسية للإعداد لهذا الأمر الذي نتج عنه إنشاء هذه الندوة وتبرع لها المرحوم عبدالله الرستماني بتخصيص دور كامل في عمارته بشارع الرقة بديرة، دون مقابل، واختير محمد المر رئيساً للندوة بإجماع أعضاء مجلس الإدارة لميزات ثقافية متحققة في شخصيته، وقد شهدت الندوة في عهده تطوراً كبيراً وممارسة فاعلة للشأن الثقافي واستفادة قصوى ومهمة من أفكاره الثقافية التي يطرحها.. وحقيقة فقد استفدت شخصياً بصورة كبيرة من صحبتي له خلال تلك الفترة لكثير من الأفكار الثقافية التي يطرحها ويتبناها والقضايا الثقافية التي يناقشها والآراء التي يبديها وعدد الكتب التي يقرؤها ويعطي نبذات عنها في جلساتنا معه، مما شجعنا على قراءة بعضها وعلى مزيد من اهتمامنا بالقضايا الثقافية التي يطرحها بيننا.

اطلاع واسع

ولست بمبالغ البتة إذا عددت محمد المر أحد أهم المثقفين على الساحة العربية، وذلك لما يختزنه من مقومات ثقافية وإمكانات معرفية حصل عليها من كثرة قراءاته واطلاعاته العميقة ولطول معايشته للكتب التي كانت تشغله منذ صغر سنه، حيث يعد محمد المر أحد أكثر المثقفين اطلاعاً وقراءة لكثير من الكتب، وكل يوم يزداد اهتماماً بذلك وتعلقاً به إلى درجة النهم المعرفي الذي يسيطر عليه فلا غرو إذن أن يكون محمد المر المثقف الأهم والأبرز على المستوى المحلي، إذ ليس هناك من يضاهيه في هذه البضاعة التي برز واشتهر فيها شهرةً كبيرةً، وأنا إذ أقول ذلك عنه أعتبر نفسي أعرف به وبقدراته ومستواه المتميز لطول معرفتي به ومعاشرتي له خلال هذه الفترة التي تحدثت عنها بإيجاز ولا تزال معرفتي به قائمة ووثيقة وتواصلنا معه لا ينقطع.. ومحمد المر بلا شك مثقف إماراتي بارز يملك كثيراً من الخصائص الثقافية التي تميزه بين أصدقائه وأترابه من المثقفين الإماراتيين، بل وتجعله في قائمة المثقفين العرب بكل قدرة وجدارة حيث يعد محمد المر موسوعي الثقافة متعدد المواهب والاهتمامات، ولا تقتصر ثقافته على مجال معين، وإنما له إلمام كبير بمجالات ثقافية كثيرة ومتعددة الجوانب.

وأهم ما برز فيه خلال فترته الماضية كتابة القصة القصيرة التي أبدع وأنتج فيها بعضاً من أهم وأجمل كتبه، وما يميزه في ذلك أنه استطاع أن يربط بين قصصه وواقع مجتمعه الذي يعيشه، حيث استمد تفاصيل قصصه من سبر أحداث هذا الواقع وما تلتقطه عينه من صور فيه وما تسمعه أذنه من أحاديث وحوارات استطاع أن يسلط الضوء عليها من خلال قلمه المبدع وخياله الواسع الذي عرف به رائداً من رواد القصة القصيرة، إذ لم تشهد الساحة القصصية في الإمارات نتاجاً قصصياً متميزاً كذلك الذي أبدعه محمد المر في كتبه القصصية، ولا يمكن لباحث في مجال تاريخ القصة في الإمارات إلا أن يجعل محمد المر في المرتبة الأولى من ذلك التقييم، فلقد أنتج في هذا المجال جملة من أهم القصص التي نشرها في مجموعة من كتبه، والتي لا تزال علامة بارزة دالة على مدى اهتمامه وفاعليته في هذا الجانب الثقافي الهام وإبداعه فيه إبداعاً ملفتاً جعله بلا أدنى شك قاصاً متميزاً ارتقى في فنه وإبداعه إلى إمكانية أن يقيم على المستوى العربي الذي يقف فيه مع جملة من القصّاصين العرب، فقد برز محمد المر بكل وضوح في هذا الجانب الهام من الثقافة، ومن خلال هذه الذائقة الجميلة التي لها كثير من القرّاء والمتابعين في العالم العربي، حيث ساهم في رفد هذه الساحة بقصص جميلة من إبداعاته تقف في صف كثير من القصص العربية المعاصرة، وإن كان الملاحظ عنه في الفترة الأخيرة وكأنه شبع مما أنتجه فيه من إبداعات فقد هدأ عنده هذا الاهتمام مكتفياً بما أصدره وما كتبه طيلة فترته الماضية.

مبدع قدير

وإن كان لي من اقتراح أعرضه عليه، وأنا أعرف بإمكانياته وقدراته القصصية، هو بأن يتناول جانباً من تراث الإمارات وتاريخها ليصوغ من خلاله رواية تاريخية تستجلي بعض وقائعه وأحداثه لتكون وثيقة أدبية تاريخية تحت يد أبناء الحاضر ليتعرفوا من خلال هذا الفن المشوّق إلى بعض من تاريخ ماضيهم.. فهو لا شك أقدر من يمكن أن يحقق تميزاً في هذا الجانب الثقافي، حيث أن محمد المر من رواد القصة في الإمارات كما قلت، وقادر على أن ينتج فيها ما يريده وما نأمله منه في هذا المنحى الهام.. ولمحمد المر جملة من الكتابات في مناح ثقافية متعددة، من أهمها كتابه (كلام الناس) الذي وثق فيه لكثير من مفردات ولهجة مجتمع الإمارات وفصل فيها تفصيلاً نافعاً وجميلاً.. وله مشاركات صحفية كثيرة في عديد من الجوانب، وقد كان لفترة مسؤولاً للتحرير في جريدة «البيان».. ولمحمد المر قراءات كثيرة واطلاع واسع كما قلت، على جوانب مهمة من الثقافة العربية والعالمية، ساهمت إلى حد بعيد في تكوين شخصيته الثقافية بهذه الصورة التي أتحدث عنها، والتي يعجب بها المطلع والمتابع، فمحمد المر كما نعلم، عميق الاطلاع على ثقافات الشعوب وحضاراتها وتاريخها فما من موضوع ثقافي يتعلق بشيء من ذلك وتثار مناقشته إلا ولمحمد المر اطلاع عليه وإلمام به بشكل تفصيلي وعميق الغور، خاصة فيما يتعلق بالحضارة الغربية في كثير من جوانبها، ولمحمد المر شغل شاغل بالمتاحف العالمية وما تضمه من تحف ومعروضات فيها على اختلاف أشكالها وأنواعها وحقبها التاريخية، حيث يعد متخصصاً في هذه الجوانب من التراث الحضاري الإنساني، وكثيراً ما يزور هذه المتاحف ويتجول في رحابها بشكل يبدو معه وكأنه لا يشبع منها ولا ينقطع عنها.. وينشغل محمد المر كثيراً بمعروضات تلك المتاحف وتفصيلاتها بحيث يكون فيها كالمرشد والدليل لأصدقائه عند زيارتهم لها، فيطلعون عن طريقه على كثير من معارفها وأخبارها وتواريخها، حيث يزرع في نفوسهم كثيراً من الاهتمام بها والتفاعل معها.

اهتمامات متنوعة وثرية

ولمحمد المر أذن موسيقية تشغف بعزف المقطوعات الموسيقية التاريخية لكبار الموسيقيين العالميين، فله اهتمام بالغ بهذا الجانب الموسيقي فيحكي لك عنها تفصيلات من المعلومات والمعارف، إذ ينبهر من يسمعه يتحدث عنها بتلك الكيفية والثقة المعرفية الدقيقة.. كما أن له معرفة واهتمام كبير بالمسرح العالمي وما يقدم عليه من مسرحيات تاريخية يحضرها ويتابع أداء الممثلين فيها بانسجام وشغف ومعرفة.

كما أنه، بجانب ذلك، لديه اهتمام واسع بالثقافة العربية في كثير من جوانبها، أدباً وشعراً وتاريخاً وحضارة، وتبرز لدى محمد المر حاسة النقد الثقافي لما يقرؤه من مواد ثقافية في جانبه الاستحساني أو بياناً لبعض مظاهر الأخطاء فيها.. فالمر حين يتكلم في جوانب الثقافة يكون ملماً بهذه الجوانب عارفاً بها يقف المستمع له على تفاصيل مما يتكلم عنه ويحلله بما ينبئ أنه أمام شخص متبحر في الثقافة واسع الاطلاع عليها، بحيث تتميز كثير من جلساته التي يحضرها بمثل هذه الميزات الثقافية التي تفيد الحاضرين وتجعل لجلسته طعماً وفائدة ثقافية.

وللمر اهتمامات كبيرة بجمع نوادر التراث العربي من المخطوطات القديمة والمصاحف النادرة والخطوط العربية الجميلة، إذ يعد في ذلك أحد أهم الفاهمين في هذا المجال وذا خبرة طويلة فيه، إضافة إلى غير ذلك من الاهتمامات التي تجعلك أمام شخص متعدد المواهب والهوايات التي تثري جوانب من ثقافته وتساهم بالتالي في غنى ثقافة مجتمعه بمثل مساهماته ومشاركاته الفاعلة والمتعددة.

دور حاضر وأداء لا يفتر

ويمكنني أن أعد محمد المر مثقفاً جامعاً دون أدنى مبالغة لكثير من مقتضيات ومقومات الثقافة، حيث يُجمع جمهور المثقفين في الإمارات بأن المر كالأب الروحي لهم ولا يزال دوره حاضراً في رعاية الثقافة ومدها بأسباب نموها وتطورها، من خلال تواجده في كثير من الفعاليات الثقافية والمؤتمرات والمنتديات ومن خلال إداراته لبعض المؤسسات الثقافية وتفعيل دورها..ولا شك أنه من الأهمية بمكان أن يستفاد من فكر هذا المثقف في تنمية الثقافة، حيث إنه يملك فكراً واسعاً يمكنه أن يفيد به كثيراً من الأدوار الثقافية في المجتمع، وهو قادر على هذا الفعل والتأثير به في واقع الثقافة في الإمارات.

وختاماً، أرجو أن أكون قد سلطت شيئاً من الضوء الكاشف على شخصية محمد المر الثقافية ودوره المتميز في النشاط الثقافي في مجتمع الإمارات.

 

دور فاعل

يطمئن الإنسان المثقف على الثقافة حين يكون أمر إدارتها وتنميتها من قبل أناس متخصصين يملكون القدرة على العمل الثقافي والتأثير من خلاله على مد المشهد الثقافي بأسباب نمائه وتطوره كمحمد المر، هذا العلم البارز من أعلام الثقافة في مجتمعنا والقادر على خدمة الشأن الثقافي وإفادته إفادة كبيرة من خلال طول خبرته وقدرته على العطاء فيه عطاء متميزاً ينبئ بما لهذه الطاقة الثقافية من دور وفاعلية ولقبول هذه الشخصية في الوسط الثقافي والإقرار لها بالسبق والتميز وامتلاء مخزونها بالأفكار والطروحات التي تساهم في تفعيل دور الثقافة في مجتمع الإمارات والسير بها قدماً إلى مستويات أرحب، خاصة أن للثقافة دوراً مهماً في بناء المجتمع، حيث تعد من أهم مقوماته وركائز بنائه.

ولا يمكن للثقافة أن تؤدي دورها إلا من خلال مثقفين فاهمين لهذا الدور، كأمثال محمد المر الذي يملك من الإمكانات ما يمكنه من خدمة الثقافة وتفعيل دورها.

تعليقات

تعليقات