لم يمهل الموت الفنانة الفلسطينية ريم بنا وقتاً إضافياً، ريثما تعلن رسمياً إصدار ألبومها الجديد، ذاك الذي استوحيت موسيقاه من ملفاتها الطبية، التي ظلت شاهدة على صمودها في حربها مع مرض السرطان، الذي هزمته في الجولة الأولى، واستعادت من بين خلاياه صوتها، بعد أن كادت تفقده، وهو الذي ظل سنوات سلاحها في مقاومة الاحتلال الإسرائيلي، الذي فشل كثيراً في خنق روعة صوتها، وأغنياتها التي سطرت من خلالها حكايات شعب رفض الموت والخضوع.
تهاليل
أول من أمس، في العاصمة الألمانية برلين، رحلت أنشودة القضية الفلسطينية و«ملكة المحاربين» كما دأب المثقفون الفلسطينيون تسميتها، رحلت الفنانة التي حولت فلسطين إلى أغنية، فريم لم تكن مجرد مغنية عادية، بل مزجت في أغنياتها بين التهاليل الفلسطينية التراثية والموسيقى العصرية، غنّت كثيراً للكبار، وللصغار أكثر، أعادت تعريف «جفرا»، وغنت لـ«أول المطر» و«فارس العودة» و«الطاحونة»، أنشدت لـ«بحر غزة» الذي أرسلت إليه سلاماً مع «طيري وهدي يا وزة»، وغنت لـ«القمر» و«مشعل» صاحب القميص البني، الذي رحل يوماً ما بجانب نبع الماء، وأهدت صوتها إلى ذاك «الجمّال» الذي عذب قلبها عندما اختار الرحيل، وغنّت لزهرة المدائن «وحدها بتبقى القدس»، و«يا ليل ما أطولك» التي تذكرت فيها الغائبين وراء الأسلاك.
مرايا الروح
ريم هي ابنة الشاعرة زهيرة صباغ، ودرست الموسيقى والغناء في المعهد العالي للموسيقى في موسكو، وأغنت بصوتها أرشيف الأغنية الفلسطينية، فهي صاحبة ألبومات «جفرا» و«دموعك يا أمي» و«مرايا الروح»، وغيرها، شاركت في مناهضة كل ما يحارب الإنسان، وغنّت في محافل عالمية ومحلية لنصرة حقوق الإنسان، ما منحها شهرة عالمية، بدأتها في أوائل التسعينيات، حينما غنّت ألبوماً للأطفال من كلمات فلسطينية تراثية، ولكنها لم تكتف بالغناء فقط، بل لحّنت كلمات لأكبر شعراء في فلسطين مثل توفيق زياد ومحمود درويش وسميح القاسم.
وصية
في أيامها الأخيرة، بدت ريم بنا تستعد للرحيل، فقد حاولت تخفيف وطأة الخبر على محبيها، بكلمات كتبتها على جدارها «الفيسبوكي»، حيث قالت: «بالأمس، كنت أحاول تخفيف وطأة هذه المعاناة القاسية على أولادي، فكان علي أن أخترع سيناريو، فقلت: لا تخافوا، هذا الجسد كقميص رثّ.. لا يدوم.. حين أخلعه.. سأهرب خلسة من بين الورد المسجّى في الصندوق..». وأضافت: «سأجري كغزالة إلى بيتي...سأطهو وجبة عشاء طيبة..سأرتب البيت وأشعل الشموع... وأنتظر عودتكم في الشرفة كالعادة.. أجلس مع فنجان الميرمية.. أرقب مرج ابن عامر.. وأقول.. هذه الحياة جميلة.. والموت كالتاريخ.. فصل مزيّف»، كما كتبت: «وحدهم أحبتي من حولي لا يتذمرون.. وحدهم أحبتي لا يفقدون الأمل ولا يكلّون..».
