إذا كان الرهان في العمل الفني يتوقف على الفكرة فقط، سيكون بالإمكان طباعة الأفكار على ورق أبيض وتوزيعها على الجمهور من دون أن يصنع أحد فناً في الاختصاصات المختلفة، وكي لا يتكبد أحد عناء الذهاب إلى أماكن العرض والأوبرات وأيضاً حتى لا يتعب الفنان طوال سنوات في التدريب ولا يتوصل إلى عمل يرضي المتابعين والنقاد!. وإذا كان الجاحظ قال سابقاً إن الأفكار موجودة على قارعة الطرق، أي إنها متاحة ومتوفرة لأي كان، إلا أن المشكلة تكمن في الأساليب التي يفترض أن تقدم هذه الأفكار على طبق من دهشة واختلاف وليس تردادها ببساطة كأنها تقرأ من كتاب.

هذه النقاط والعديد من القضايا الأخرى أثارها عرض «آه يا أرضي الحبيبة»، بمهرجان الفجيرة الدولي للفنون، إخراج وتأليف أمير نزار الزعبي، وتمثيل الفرنسية كورين جابر، الذي وقع تحت سطوة الأداء الأفقي غير المتبدل في الانفعالات وحركات الجسد وتقاطيع الوجه، حيث بدت العملية وكأنها قراءة بيان على الحاضرين!

المطبخ الواقعي

أخذت كورين العديد من قصص الحرب السورية وبدأت بسردها أثناء قيامها بإعداد طبخة «الكبة» في المطبخ الواقعي الذي كان هو الديكور على المسرح.. طناجر ومقلاة وصحون مع قناني زيت وخلاط كهربائي، وتلك كانت مفارقة في فن المونودراما الذي تطور كثيراً على هذا النوع من الأساليب، التي من شأنها أن تؤدي إلى استقالة الممثل البطل وجعله ملحقاً بالديكور أو قارئاً للنص، وهو الأمر الذي سبب ملل الجمهور وانسحابه تباعاً!

السرد بدا سيد المشهد في «آه يا أرضي الحبيبة»، ولم يظهر على وجه الممثلة أية انفعالات ولم تنفرج أساريرها أو تغضب أو تحزن، وطغى كلامها على حركات جسدها، فظهرت كورين وكأنها الحكواتي الذي يقرأ من دفاتر المذكرات بشكل سلبي وحيادي دفع بعض النقاد الحاضرين للتساؤل إن كان الوضع سيختلف لو استمعنا إلى النص عبر الإذاعة؟

ولنفترض أننا أطفأنا الأنوار واستمعنا إلى الصوت في المسرحية فهل كان سيتبدل شيء في الأمر؟ هذا كله كان يشير إلى مشكلة تعصف بالأداء الانفعالي وحضور الأنا الفريدة للبطل التي تشق عباب المسرح عادة، لكن ما حصل أننا استمعنا إلى سرد حكائي كان بالإمكان إيصاله عبر الإذاعة أو الورق المطبوع..

فيروزيات

تبدأ المسرحية بأغنية فيروز وتخللتها عدة أغنيات شكلت نقاط استراحة أثناء عمل كورين في المطبخ وسرد الحكايات.. نعم لقد احترقت الطبخة الأولى وقامت كورين برميها في سلة المهملات ثم عادت إلى إعدادها من جديد، وكان هذا دليل على الانفعال مع الحكايات التي بدت في كثير من الأوقات باردة حيادية غير ممسوكة بشكل صحيح من قبل البطلة التي اكتفت بتلاوتها كما أسلفنا.

لقطة الختام تمت بشكل مفاجئ عندما انطفأت الإضاءة أثناء قيامها بإعداد قطعة اللحم، وتأكد الجمهور أن المسرحية انتهت إثر مغادرة الممثلة للمنصة تحت جنح الظلام! كان بالإمكان اختراع مشهد للختام أكثر جاذبية أو الأقل يكون منساباً مع الفضاء الذي تجري فيه المسرحية.. في العرض العديد من اللقطات المزروعة عنوة في أحداث العمل وأهمها اللقطة الأخيرة للثلاجة التي تحتوي قطعاً كبيرة من اللحم الذي يظهر وكأنه بشري، حيث يبدو الرابط مقطوعاً مع ما سبقه من مشاهد أثناء إعداد الكبة بدت طبيعية جداً، ما أعطى الإيحاء أن المخرج بحث عن لقطة «أكشن» يختم بها العمل حتى لو بدت مبتورة أو غريبة عن المسرحية!