قال المهندس رشاد بوخش، رئيس جمعية التراث العمراني في الإمارات، وعضو المجلس الوطني الاتحادي، سابقاً، ومدير إدارة التراث العمراني في بلدية دبي، سابقاً: يوجد في الدولة نحو 3250 معلماً أثرياً، جرى ترميم قسم منها، والعمل جارٍ على ترميم أجزاء أخرى، تباعاً حسب الحاجة والأهمية، وإن الإمارات تسعى إلى أن تجعل من السياحة رافداً مهماً للدخل بعد النفط والتجارة، وأكد أنه بتوجيهات من صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، ستكون منطقة الشندغة التراثية، أكبر متحف مفتوح في العالم، وإن إجراءات تنفيذ التوجيهات السامية مستمرة منذ أكثر من عام، وقريباً سنشهد افتتاح المنطقة التي ظلت مغلقة طيلة فترة الصيانة والترميم، التي من المتوقع أن تجلب ملايين السياح سنوياً.
جاء ذلك في جلسة نظمها «مركز جمال بن حويرب للدراسات»، في موقعه الجديد في منطقة الجميرا، تحت عنوان: «التراث العمراني في الإمارات»، حضرها الباحث والكاتب عبد الغفار حسين، إسماعيل الحمادي، من وزارة الثقافة، سلطان الشامسي، عضو المجلس الوطني الاتحادي، سابقاً عن إمارة عجمان، والدكتور خالد الوزني، المستشار في مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم للمعرفة، وجمع من المهتمين والاختصاصيين.
وقد رحب جمال بن حويرب، رئيس المركز، بالمحاضر والضيوف، قائلاً: لا شك أن موضوع التراث العمراني، والمحافظة على الآثار، مهم جداً، وقد أمضى رشاد بوخش، رئيس جمعية التراث العمراني في الدولة، معظم حياته في البحث والدراسات، في مجال التراث العمراني، والمحافظة على الآثار، وله جهود عظيمة في ترميمها وإعادة الحياة إليها، والمساهمة في تسجيلها في الهيئات العالمية المعنية بشؤون التراث العمراني والآثار.
هويتنا فخرنا
بدأ المهندس رشاد بوخش حديثه قائلاً: بما أننا نعيش عام زايد بن سلطان آل نهيان، عطر الله ثراه، فإن من نافلة القول أن أبدأ حديثي بمقولة شهيرة له «من لا ماضي له، لا حاضر له، ولا مستقبل».
ولنا أن نتعلم من هذه «المقولة –الحكمة»، بأن علينا أن نستفيد من تراث الماضي، من أجل بناء حاضرنا ومستقبلنا.

وأضاف: ولعل في مقولة صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، «من لا هوية له، لا وجود له في الحاضر، ولا مكان له في المستقبل». تأكيد لما قاله المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه.
وقال بوخش: كما أن صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، رسم لنا خارطة طريق بقوله: «نعتز بأمسنا، ونفخر بحاضرنا، ونمضي إلى غدنا بيقين، ووعي وعزم أكيد، وإرادة لا تعرف التردد، وهمة لا تعرف التلكؤ».
تبين لنا من خلال البحث والدراسة، على مدى الأربعين عاماً الماضية، أن دولة الإمارات تذخر بما يزيد على 3250 موقعاً ومعلماً أثرياً، ولعل الكثير منا يفاجأ بهذه المعلومة المهمة، ما يؤكد أن بلادنا كانت مهداً لحضارات قديمة، تمتد إلى عمق يقرب من ثمانية آلاف عامٍ مضت، منها على سبيل المثال حضارة جزيرتي مروح وأم النار في أبوظبي، حيث تعود الأولى إلى نحو 3500 ق.م، والثانية إلى حوالي 2600- 2000 ق. م. وهناك آثار «هيلي وجبل حفيت» في مدينة العين، التي يرجع تاريخها إلى نحو 3000- 1000 ق.م.

من مكتشفات ساروق الحديد
ساروق الحديد
وفي دبي، لدينا موقع ساروق الحديد، الذي أصبح موقعاً عالمياً «1600- 600» ق.م. ويضم آثاراً تعود إلى العصر الحجري، في وسط الصحراء، وقد اكتشفه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، عندما كان في طائرة عمودية، ولاحظ وجود قطع فخارية، في الموقع، ما يشير إلى وجود آثار، فأمر سموه بالحفر في المكان، وعلى عمق ثمانية أمتار تم اكتشاف ما يزيد على 23 ألف قطعة أثرية، تشكل نحو 5- 10 % من موجودات الموقع. ولاحظنا وجود صور لأفاعٍ على قطع الفخار، ما يشير إلى أن سكان تلك المنطقة في تلك الحقبة من الزمن، كانوا يتخذون من ذلك تعويذة، كي لا تضرهم الأفاعي، التي ربما كانت تنتشر بكثرة، آنذاك.
مواقع
وأضاف المهندس رشاد بوخش إضافة إلى ذلك لدينا موقع القصيص، الذي يضم 47 مدفناً، تعود إلى الفترة ذاتها، وهو يبعد عن ساروق الحديد بنحو 70 كيلومتراً. وهناك موقع «الجميرا الإسلامي»، ويمتد من نهاية الفترة الأموية حتى بداية الفترة العباسية، «من 9-10» ميلادي. وفي الشارقة لدينا مواقع كثيرة من أهمها منطقة مليحة، التي تعود إلى القرن 12 ق.م. وفي أم القيوين هناك موقعان هما: موقع الدور، «معبد الشمس»، ويعود إلى الألف الأول ق.م، وموقع تل أبرق، بين الشارقة وأم القيوين «الألف الرابع ق.م».
وفي رأس الخيمة هناك كثير من المواقع الأثرية، منها في منطقتي شمل وشعم، وكذلك قلعة ضاية. وفي الفجيرة لدينا كثير من الآثار التي تعود إلى الوجود البرتغالي، إضافة إلى آثار منطقة البدية. وقد طبعت وزارة الثقافة كتاباً عن الآثار في دولة الإمارات، ضمنته كل هذه الآثار.
الإنجليز والآثار
وقد أجريت أول عملية مسح جغرافي منهجية لطبوغرافيا ساحل الخليج على يد ضباط البحرية البريطانية في الفترة بين 1820 و1829، وكان الهدف منها إنتاج مجموعة من البيانات والمعلومات عن الخليج وسواحله لأغراض ملاحية وعسكرية وتجارية. كما قاموا بإعداد خرائط مُفصّلة للموانئ والمدن وتسجيل معلومات عن الطبيعة الجيولوجية ومراكز التجارة.
وبفضل هذه الخرائط بحثنا عن أسوار دبي التاريخية، وبخاصة حصن الفهيدي، في بر دبي. كما تم تحديد أماكن الأبراج والقلاع.
العمارة التقليدية
قال المهندس رشاد بوخش: تعددت أنماط العمارة التقليدية في الدولة، وتنوعت لتشمل المباني الدفاعية والسكنية والخدمية والتجارية والدينية، كان لجميعها الفضل في التعريف بثقافة وتراث المجتمع المحلي. وقد كان البيت التقليدي يتضمن أبراجاً للهواء «البراجيل»، والأسواق التقليدية ذات التنظيم الطولي النابضة بالحياة، ومساجد الأحياء الصغيرة المتواضعة المنتشرة في المناطق كافة، تعبيراً واضحاً لتنوع وغنى العمارة التقليدية التي تعكس تاريخ وتراث وحياة المجتمع المحلي، من خلال نسيجها العمراني المتواجد في أزقة أحيائها وساحاتها، وطابعها المعماري الذي يميز مبانيها على اختلاف أنماطها، ومن خلال مبانيها الدفاعية المتمثلة في القلاع والأبراج المحصنة.

المحافظة على الآثار والتراث العمراني في الدولة | ارشيفية
فالحصون بنيت في أغلبها مستطيلة، ويتجسد ذلك في قصر الحصن في أبوظبي الذي كان سكناً لأسرة آل نهيان، وحصن الفهيدي، لأسرة آل مكتوم، التي انتقلت من أبوظبي إلى دبي في العام 1833، وأسست حصن الفهيدي، وفي العام 1861 انتقلت إلى منطقة الشندغة.
أما الأبراج والمربعات، فقد بنيت لأغراض دفاعية ورقابية. ويوجد مئات الأبراج في الإمارات، منها 60 برجاً في رأس الخيمة، معظمها بحاجة إلى ترميم. وفي دبي هناك 12- 13 برجاً، تم ترميمها جميعاً. منها مربعة أم الريول «أم الأرجل»، شيدت في العام 1906، وأطلق عليها هذا الاسم نظراً لتعدد الأعمدة الحاملة، وعددها سبعة، وفي منطقة حتا هناك برجان، تم بناؤهما بصورة دائرية، العام 1860، ويقعان على جبلين مرتفعين.
البيوت والمساجد
في البوادي، كان البدو الرحل يبنون بيوت الشعر، أما البيوت السكنية، فقد شكلت الغالبية العظمى في المدن والتجمعات الحضرية التقليدية في دولة الإمارات التي تميزت بألفة مقياسها الإنساني، وعفوية إنشائها، واعتمادها على المواد المحلية المتوفرة، مثل سعف النخيل، والمعروفة ببيوت العريش. وهناك 18 نوعاً منها، إضافة إلى البيوت الطينية، كما في حتا والذيد ومسافي، والبيوت القفل المقامة من الحجر والأشجار. أما البيوت الكبيرة فقد بنيت من حجر البحر والصدف والجص، وهي كثيرة، ومنتشرة في جميع أنحاء الإمارات.
أما بالنسبة للمساجد، فهناك نوعان: المسجد الجامع الكبير المكون من 54 قبة، وقد بنى الشيخ بطي بن سهيل مسجداً جامعاً في العام 1908، وأمر أن تكون العبرة من ديرة إلى بر دبي، وبالعكس يوم الجمعة مجاناً ليتمكن المواطنون من أداء الصلاة في الجامع الكبير.
وتحدث المحاضر عن المباني التعليمية، كالمدرسة الأحمدية الأقدم في دبي «1912»، ومدرسة الفلاح ثم الشعب والسعادة وخولة، ومدرسة السعيد. وتطرق إلى المباني الإدارية، ومواد البناء والزخارف، واستخدام «البراجيل» من أجل التهوية.
الحفاظ على التراث
دعا بوخش إلى أهمية الحفاظ على التراث العمراني، لأهداف عدة، منها:
ـــ تنمية وترسيخ الهوية الوطنية.
ـــ نشر الوعي، والحفاظ على التراث العمراني لتوظيفه في مجالات السياحة «السياحة التراثية».
ـــ الاستفادة من التراث من أجل الحاضر والمستقبل.
ـــ تسجيل التراث الإماراتي في الهيئات الدولية، المعنية بهذا الأمر، لوضع تراثنا على الخارطة العالمية، سياحياً، تنموياً واقتصادياً.
وتطرق إلى إنشاء جمعية التراث العمراني، في العام 2003، حيث أصبحت تضم اليوم حوالي 1450 عضواً، يسعون إلى تحقيق أهداف الجمعية، السابق ذكرها.
