خاضت الروائية الإيطالية إيلينا فيرانتي عراك كتابة القصة الخيالية من باب كتابة المذكرات، ولأن كتاباتها كانت قد تحوّلت بذاتها إلى عالم الخيال، غالباً ما لم تقدر على الكتابة بشكل يومي، فكان خيط الأحداث ينقطع، وتضطر إلى ملء الفراغ وكتابة صفحات من زمن مضى، وهكذا أعطت الحقائق والانطباعات تناسقاً لم يكن في سياق الأحداث التي تدونها بشكل يومي، وشعرت بأن قصصها المخترعة وحقائقها كانت أكثر أماناً على صفحات القصص التي ما إن اكتسبت مكانتها حتى رمت بمفكراتها التي لم تعد تشعر بحاجة وجودها.
سرد وتفاصيل
وتروي إيلينا فيرانتي قصتها بالقول: «احتفظت بمفكرة أعواماً عدة وأنا فتاة في مقتبل العمر، لا سيما أني كنت مراهقة خجولة تؤثر الصمت ولا تعرف إلا الإجابة بنعم. أما على أوراق المفكرة فكنت أطلق العنان لنفسي، فأسرد أحداث الأيام بالتفصيل، السرية منها والجريئة. وكنت أصاب بقلق حقيقي من أن تقع المفكرة بيد أحد أفراد العائلة، لا سيما أمي، فتفتحها وتقرأها، لذا كنت على الدوام أخترع مخابئ آمنة سرعان ما يتبين أنها ليست كذلك».
وتضيف الكاتبة: «كنت أشعر في الحياة العادية بالكثير من الخجل والحذر لدرجة بالكاد تسمح لي بالتنفس، وهكذا فإن المفكرة ولّدت بداخلي توقاً إلى الحقيقة. وأعتقد أنه أثناء فعل الكتابة ما من حاجة ولا معنى للكبت ولا لمراقبة الذات، لذا كنت أكتب في الغالب ما كنت أفضل السكوت عنه، وأستخدم مفردات لم أكن أجرؤ على النطق بها شفوياً».
وتتابع: «سرعان ما خلقت هذه الحالة واقعاً أرهقني، وظل التناقض رفيقي إلى عمر العشرين، إذ أظن أني عثرت على الحل، وكان عليّ التوقف عن كتابة المفكرة ورسم مساق يصوغ رغبتي في قول الحقيقة، تلك التي لم يكن ممكناً البوح بها، ووضعها في قالب قصصي».
