بين مذيعٍ يحمل في يده ورقةً مملوءة بالأسئلة، وضيفٍ يحتفظ في داخله بفكرٍ يفوق أي سؤال، وفلسفة متفردة، ومعلومات كالبحر، يجلس المُشاهد متعطشاً لرؤىً جديدة تشبع فضوله، مبتسماً لفرصة أهداها إياه القدر للقاء الشخصية ذات الفكر المتميز، ليجد أمامه فجوة واسعة بين مذيع يدور في إطار ضيق، وضيف يُحلق في فضاءات واسعة، وحوارٍ مشتت بين طرفين لم ينجح أولهما في الإمساك بزمامه، واستثمار صاحبه بأفضل صورة.
«البيان» تواصلت مع بعض المذيعين، للحديث عن تلك الفجوة الكبيرة في الثقافة والفكر بين المذيع والضيف في بعض البرامج على مختلف القنوات العربية، ما يؤدي في نهاية المطاف إلى حوار عقيم، ليؤكدوا أن اختيار المذيع يجب أن يكون مدروساً، لافتين إلى أن التحضير الجيد للحوار، والإلمام بكافة المعلومات حول الضيف هو جزء من الاحترام والتقدير الذي يجب أن يحصل عليه، وهو ما يبدو بجلاء في نسبة كبيرة من البرامج المحلية على مختلف القنوات الإماراتية.
أكدت الإعلامية صفية الشحي أن التساهل في اختيار المذيعين وعدم تقدير القنوات العربية لقيمة الثقافة ساهما في ظهور فجوة كبيرة بين المذيع والضيف. وقالت: تعاني التلفزيونات العربية من هذه المشكلة بشكل لافت، إذ لا يمتلك الكثير منها التقدير الحقيقي لقيمة الثقافة، وهو ما يجعل اختيارها لمذيعيها يتم دون عناية، وبشكل لا يتلاءم مع المضمون الثقافي، إلا أنني أرى بأن هذا المضمون يحتاج للكثير من البحث والتدقيق وجمع المعلومات، ليناسب الطرح قيمة الضيف، وليليق السؤال بمستواه وفكره، ويناسب ذائقة الجمهور.

احترام
وذكرت الشحي أن عملية التحضير تختلف من شخصية لأخرى، وقالت: الالتقاء بروائي أو شاعر يختلف عن الالتقاء بمفكر أو شخصية عامة أو طفل، وجزء مهم من احترام المذيع للضيف يتمثل في إجراء بحث كافٍ ووافٍ يغطي كافة النقاط المتعلقة به، ويحدث كثيراً أن نلتقي بشخصيات نعتقد أن الحوار معها مهمة سهلة، لنكتشف بعد ذلك أنها مهمة صعبة جداً، ويحتاج الأمر للكثير من الذكاء لطرح الأسئلة، وهذا المأزق يقع فيه الكثير من المذيعين الذين يتعاملون مع الأمور ببساطة مبالغ فيها.
وصفة سرية
وعن وصفتها السرية للتحضير لأي لقاء، قالت صفية: أبحث في المكان الصحيح عن الشخصية التي سألتقيها، وأدرسها من كافة الجوانب، لأقدم لقاء يرضيني ويرضي ضيفي والجمهور، ولا أعتمد على الإعداد الجاهز، بل أبذل مجهوداً كبيراً لألم بكافة تفاصيل الحوار.
وأشارت صفية إلى أن الإعداد هو نصف المهمة، والنصف الآخر يعتمد على ذكاء المذيع وسرعة بديهته، وقالت: من الممكن أن يكون الضيف متمكناً لدرجة ينجح من خلالها في التلاعب بالمذيع، وحرفية المذيع تكمن في سيطرته على الموقف حتى لا يتلاعب به الضيف، فهو من يجب أن يكون قائد الحوار.

استهانة
استياء كبير من الحال التي وصلت إليها البرامج اليوم، كشفته نبرة الإعلامي إبراهيم استادي، ليؤكد أن مذيعين كثيرين يقعون في فخ الاستهانة بالضيف. وقال: في البرامج المتخصصة، يكون انتقاء المذيع مناسباً لطبيعة البرنامج، ليكون المذيع على نفس مستوى الضيف فكراً ووعياً، أما في برامج المناسبات، فيتم اختيار مذيع ما لمقابلة ضيوف وشخصيات ثقافية ذات مستوى عالٍ من الفكر والثقافة، لنجد فجوة كبيرة بين الطرفين، ينتج عنها حوار عقيم وسطحي، لا سيما وأن كثير من المذيعين يعتمدون على الإعداد الجاهز.
وذكر استادي أن الإعداد اليوم يخلو من أي ابتكار وتجديد، لافتاً إلى أن النسخ من الإنترنت أصبح موجة سائدة بين المعدين، وقال: أعد برامجي بنفسي، وأشعر بأن الحوار يكون غنياً حين يتولى المذيع نفسه عملية الإعداد.
أرباح وتجارة
وأشار إلى أن مهارة المذيع تفرض نفسها سواء كان وراءه معد أو لم يكن، ووجه نصيحةً للمذيعين مُطالباً إياهم بتكثيف قراءاتهم ومتابعة الصحف، وعدم الاعتماد على الإعداد الجاهز، كما طالب المذيعات بالتركيز على المضمون أكثر من الشكل والمظهر، وقال: تشبعنا من الـ«موديلز» اللواتي لا يتقنَّ حتى مهمة القراءة.
ولفت استادي إلى أن تركيز القنوات والإذاعات على الأرباح والتجارة، يجعل المضامين ترفيهية ولا تحتوي أي قيمة، مشيراً إلى أن مهمة المذيع تتمثل في تقديم إضافة للجمهور وليس إضحاكه فقط.
