ربما تحدوك الرغبة في رؤية الأعمال الفنية العظيمة، إلى زيارة معرض لندن الوطني، لكن بمجرد أن تطأ قدماك عتبة المدخل الهادئ، تجدها مكتظةً بالزائرين وتراهم يتدافعون للوصول نحو لوحة مشهورة ما، ليلتقطوا الصور ويعودوا ليجتمعوا أمام إحداها وتنطلق الأحاديث.. فتموت لذة التلقي الفني.
وذلك كما أكدت الكثير من الصحف والمواقع العالمية، أخيراً. فالتجربة ذاتها بانتظارك حيثما تذهب، سواء في متحف متروبوليتان للفنون في نيويورك، أو متحف ريكز بأمستردام.
وقد سجلت السنة المالية 2016 زيارة 6.7 ملايين شخص لمتحف متروبوليتان، وهو الرقم الأعلى منذ بدء توثيق أعداد الزائرين قبل 40 عاماً. وأظهرت الأرقام التي نشرتها وزارة الشؤون الرياضية والإعلامية والثقافية والإنترنت في بريطانيا، أن عدد الزيارات إلى المتاحف الـ15 الأبرز في بريطانيا سجل 47.6 مليون زيارة.
ويمكن أن يظن المرء أن أعداد الزائرين تشكل أحياناً مؤشر نجاح مؤسسة ما، لكن يصعب التصديق بأن أحداً يرغب النظر إلى الأعمال الفنية في تلك الظروف.
وقد رسّخت المتاحف والغاليريهات تلك الظروف غير المريحة بإصرارها على المعارض الضخمة. وقدمت حوافز لا علاقة لها بخلق ثقافة تقدير الأعمال الإبداعية أو الفكرية، فوفرت خدمة "الواي فاي" المجانية، وغرف منامة للبالغين وصغارهم، والمطاعم، وحيل مواقع التواصل الاجتماعي التي تطارد الناس وقلما تطالبهم بالتعاطي مع الفنون باحترام. وفيما اضطرت المؤسسات الثقافية، على امتداد العقود الماضية لإثبات قيمة المال، خسرت الثقة في مجموعاتها وبجمهورها.
فالمعارض التي افتتحت أبوابها في القرن التاسع عشر أي خلال «عصر المتاحف»، استهدفت المواطن العادي، وتعريفه بحسب الناقد الإنجليزي ماثيو آرنولد، إلى «أفضل إبداعات القول والفكر».
ويوجد نوع من النخبوية المستترة ها هنا، كما بين المتخصصون، فعلى غرار خطوط الطيران البخسة، تقدم المتاحف للجماهير تجارب تافهة، كما قال، إذ إن الأثرياء القادرين على توفير تكلفة الرحلات الخاصة المتعمقة سيستمتعون بوقتهم بعيداً عن العامة. لكن من المستحسن للجميع، لو تقلصت أعداد الزائرين أو خضعت للتنظيم مع الحشود الكبيرة، الحفاظ على الصمت المتوقع الذي يليق بحرمة المكان.
