لرحيل الأديب الإماراتي ناصر جبران، أثر لن يمحى في نفوس من عاصروه وعرفوه عن قرب، وذلك الموت الذي وضع حداً لحياته يوم أول من أمس، لم يضع حداً لوجوده كونه قامة إبداعية وإنسانية أسهمت وأسست وأعطت دون أن تنتظر مقابلاً، وبالتالي كان لما أسسه جبران بصمة أقوى من الرحيل حين يُذكر الإبداع والمبدعون في دولة الإمارات. «البيان» استطلعت آراء المقربين من ناصر جبران، الذين عبروا عن تأثرهم وفتحوا صناديق الذاكرة، متحدثين عن العديد من الجوانب التي لم يعرفها الكثير من الناس.

نموذج إنساني

اعتبر القاص إبراهيم مبارك رحيل ناصر جبران خسارة كبيرة، وقال: شعرت عند رحيله كأني فقدت أحد أفراد عائلتي خاصة أنني أرتبط معه بصداقة طويلة جداً، وكنت أتطابق معه في أشياء كثيرة. وذكر لم أتمالك نفسي في العزاء أمام رحيل أجمل مثقف وأجمل مخلوق. وأوضح: لقد كان النموذج رقم واحد كونه مثقفاً وأديباً وإنساناً، فهو لم يتغير إذ بقي مثل البحر أزرق وجميلاً ولم يتوقف. وأضاف: كان معظمهم من حوله يتغيرون ويتبدلون ويلبسون أزياء أخرى بحسب المواسم، لكن جبران بقي مثالاً ونموذجاً. وقال مبارك: كان الراحل راقياً في كل شيء في تعامله وكتاباته، وهو ما خسارة للثقافة في الإمارات، وخسارة لنموذج المثقف والإنسان.

شهيد الكلمة

الفنان د. حبيب غلوم المستشار في وزارة الثقافة وتنمية المعرفة قال: تفاجأت برحيله، وأنا الذي أذكره دائماً وأبداً جالساً في مقهى «أونديتشي» بجوار فندق «الهوليدي إن» بالشارقة، هو وأوراقه وقهوته. وأضاف: كان يكتب بهدوء وسكون، ورحل كذلك بهدوء وسكون. واعتبر غلوم أن رحيله خسارة كبيرة.

وأوضح: نحن نخسر أحد مؤسسي الحركة الثقافية في الإمارات، فهو مبدع أعطى للساحة الشعرية وللساحة الروائية. وتابع: لقد كان ملتزماً بأخلاقيات المهنة وبثقافة تراب الإمارات، ولم تدخل على كتاباته كل الإرهاصات التي تحيط بنا كوننا مشتغلين في القضايا الثقافية. وفسر: بقي ناصر جبران مركزاً في كتاباته على القضايا التي تخص الإنسان البسيط، في تكوينه، وكان يترجم في هذا حياة ووطنية وعفوية.

وقال غلوم: بالتأكيد نلوم الآن أنفسنا وهي رسالة لكل المؤسسات المعنية في الدولة بأنه يوجد من أسسوا لوجود هذه المؤسسات ولولا جهود ناصر وغيره، من هؤلاء الناس الذين أعطوا للوطن والثقافة ولم يأخذوا شيئاً. وأضاف: في وقت انصرف غيرهم للبحث عن أمور مادية، بقي ناصر وأمثاله متمسكين بثقافة البلد يناقشون وينتقدون ويوضحون الحالة الثقافية، التي نعيشها ويكتبون ببياض. وأوضح: ناصر جبران لم يتكلم ولم نسمع له صوتاً يطالب لقد كان ابن البلد يعطي ولا ينتظر مقابلاً، ولهذا اعتبره أحد شهداء الوطن.

وأضاف: هو شهيد الكلمة، حافظ على مفردات الهوية والثقافة الإماراتية، ومن هنا أطالب كل المؤسسات الثقافية الانتباه لهذه القامات قبل أن يغادرونا، ليناموا بطمأنينة وثقة بأن قدموه من فكر وثقافة لم يذهب هباء. واختتم قائلاً: من يفكر أن يكرم ناصر جبران الآن، ليكرم أحد أصدقائه قبل أن يرحل.

رؤية عميقة

قال الأديب حارب الظاهري: صدمت بالخبر الذي سمعته حين تواجدي في معرض الشارقة الدولي للكتاب، لأن ناصر صديق عزيز وقريب مني ومن إبراهيم مبارك. وأضاف: أذكره بسؤاله الدائم وابتسامته وسلامه الجميل، الخبر صادم، لكنها إرادة الله ولا اعتراض فكل إنسان في طريقه إلى هذه النهاية. وأوضح: فقدنا برحيله أديباً جميلاً جمعتني به العديد من المشاركات، إحداها عندما ذهبنا إلى سوريا وكان حينها رئيس وفد اتحاد كتاب وأدباء الإمارات.

وقال الظاهري: كان معلماً رائعاً عندما كنت في بداياتي، فهو شخص كان يحترم الرأي والرأي الآخر، ويدرك الأشياء بعمق كبير، ولهذا كان يعرف متى عليه اتخاذ القرار. وأكد الظاهري أن جبران إنسان جميل في كل النواحي، وفسر لقد تلسمت هذا بوضوح عندما عملنا مع بعض في اتحاد كتاب وأدباء الإمارات، إلى جانب صداقتي به.

 سيرة 

ناصر جبران (1952 -2017) حاصل على درجة «الليسانس» في العلوم البريدية، عضو مؤسس لاتحاد الكتّاب والأدباء بالإمارات، وعضو مجلس إدارة الاتحاد وأمين سرّه لعدّة دورات، نائب الأمين العام وعضو مجلس الأمناء لمؤسسة سلطان العويس الثقافية، صدر له مجموعتان قصصيتان «ماذا لو تركوا الخيل تمضي» و«استحالات السكون» ومجموعتان قصصيتان «ميادير» و«نافورة الشظايا» ومجموعة مقالات صدرت بكتابين «عطر الحقول» دائرة و«محطّات في حياة النّاس»، ورواية «سيح المهب».

ما قاله محيي الدين عن أبو جبران

بدا جناح اتحاد كتاب وأدباء الإمارات في معرض الشارقة للكتاب صباح أمس حزيناً، تمر سحابة من السكون فوق الأرفف التي شبك «محيي الدين» ذراعيه أمامها وراح يتأمل صورة ناصر جبران الذي رحل يوم الجمعة الماضي بشكل مفاجئ، وسرعان ما حمل فصلية «قاف» التي تصدّرتها صورة مرسومة لناصر جبران وغلبته دمعة وغصة قائلاً «لم أجد إنساناً مثله».

وبين تنهيدة وأخرى قال محيي الدين: عرفت ناصر جبران منذ العام 1984 عندما تأسس اتحاد كتاب وأدباء الإمارات، حيث كان أبو جبران من أوائل مؤسسي الاتحاد قادماً من نادي دبي للشطرنج، يومها كان مقر الاتحاد في شارع الوحدة، وبموارد شحيحة كان الراحل يجلب من ماله الخاص مستلزمات الضيافة من شاي وقهوة وسكر وغيرها، مدركاً بطيبة قلبه، أن هذا الاتحاد هو مكان للجميع ويحب الجميع ولذلك لم أسمعه يوماً غاضباً، أو مؤنباً، أو زاجراً، أو متهكماً، كانت طيبته، تدفع الجميع لاحترامه..

ويذكر محيي الدين مواقفه الإنسانية مع الكتاب الإماراتيين والعرب حيث لم يبخل بمد يد العون لمن يحتاج، دون تذمر، وكأنه يدرك أن المحبة الخالصة لا يراها إلا أصفياء القلب، وقالها محيي الدين بلهجته الخاصة (نفر قلبه نظيف).

وبين حكاية وحكاية يمر بعض الزوار الذين عرفوا برحيل ناصر جبران يسألون عن كتبه، فيشير محيي الدين إلى بعض النسخ من كتاب (استحالات السكون) الصادر عن اتحاد الكتاب العام 1993، ويقول إن قصة «ميادير»، ورواية «سيح المهب» نفدتا منذ سنوات.

ويكمل محيي الدين استرسالاته عن صديق المحبة الصافية الذي لا يفوت مناسبة دينية أو اجتماعية دون أن يسألني عن أحوالي وأحوال عائلتي مهنئاً أو مؤازراً أو مؤنساً كريماً، ولم يشعرني يوماً أنه المدير وأنا مجرد فرّاش بسيط.. كان أخاً كبيراً، وأنا اليوم أشعر أني يتيم.

حدث مؤلم

توجه حبيب الصايغ الأمين العام للاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب رئيس مجلس إدارة اتحاد كتاب وأدباء الإمارات بالعزاء إلى عائلة الفقيد وإلى جميع الكتاب والأدباء والمثقفين الإماراتيين برحيل ناصر جبران، مؤكداً أن جبران كان نموذجاً للمثقف الذي جمع بين الإبداع الرفيع والأخلاقيات العالية، وهو واحدٌ من الأسماء الحاضرة حكماً كلما كان الحديث عن الأدب الإماراتي شعراً أو قصةً أو روايةً، لذلك يشكل رحيله اليوم حدثاً مؤلماً بكل المقاييس.