اختلفت الرؤى، وتعددت النظرات، وتباينت المفاهيم، في تحديد ماهية الموروث وتمظهراته في حياة الشعوب والأمم، وبالتالي ما يجب أخذه منها وعجنه بالمعاصرة، بهدف منحها شيئاً من الأصالة المتفردة التي تسعى العولمة لإذابتها في شموليّة عالميّة واسعة، خالية من الخصوصيّات والمرجعيات والدلالات التي تُشير إلى بيئة مجتمعيّة محددة، أو تراث شعب بعينه.

إشكاليّة مستمرة

انشغل المبدعون (على اختلاف حواضن ووسائل إبداعهم) بهذه الإشكاليّة، وما زالت حتى اليوم، تُشكّل همهم الرئيس، ومنهم على وجه الخصوص، الفنانون التشكيليون الذين رأوا في المفردات والعناصر التراثيّة البصريّة، رافداً ثراً لنصوصهم وتكويناتهم البصريّة الجماليّة، وإحدى الوسائل المهمة، لربط إبداعهم عضوياً ووجدانياً، مع المكان الذي جاؤوا منه.

الفنان الإماراتي

كغيره من فناني العالم، توقف الفنان التشكيلي الإماراتي المعاصر، عند موضوع التراث الذي تغلغل في ضباب الزمن الغابر، وثنايا التاريخ، لكنه لم يغب أو ينقطع، وإنما استمر (بشكل أو بآخر) في الحياة الشعبيّة وإنسانها، ما دفع كل فنان للبحث عنه، وتوظيفه في عمله الفني، بهدف منحه ثيمات محليّة، تدل على المكان الذي ولد فيه.

عُشاق التراث

يرى الفنان الإماراتي عبد الرحيم سالم، بأنه لا يجب الترويج لما لفظه الغرب نفسه، وتلقيناه نحن العرب، ببغاويّة وسطحيّة، ولهذا أوجد في فنه شخصية (مهيرة) وهي أسطورة ابتدعها للتعبير من خلالها عن حالة اجتماعيّة إماراتيّة ما زالت تسكن أهل مدينة الشارقة حتى الآن، وتمثل جانباً مهماً من الموروث المحلي لدولة الإمارات العربيّة المتحدة.

وسعت الفنانة نجاة مكي للتوفيق في أعمالها، بين الموضوع المحلي واللغة البصريّة الحديثة. فالبيئة المحليّة برأييها يجب أن تُشكّل المادة الأهم والأبرز لهذه اللغة.

وهذا ما ذهب إليه الفنان عبد القادر الريس الذي شغف بالتراث الإماراتي إلى حد أُطلق عليه لقب (عاشق البيئة) و(حارس التراث) الذي كرّس أعماله الفنيّة للتوثيق له، بنصوص بصريّة ضمنها الكثير من معالم البيئة وموجوداتها اليوميّة، لاسيّما العمارة القديمة، والمشغولات الشعبيّة اليدوية، ودلال القهوة، والبراجيل، والمراكب، والصيادين.

منهل ثر

عبيد سرور، فنان تشكيلي ومصوّر ضوئي، أمضى عمره وهو ينقب عن المخزون التراثي، الذي يعتبره منهلاً ثراً لا ينضب للإبداع، بأشكاله المختلفة، وأحد الأسباب الرئيسة لقبول الناس وتفاعلهم مع الإبداعات الفنيّة البصريّة المعاصرة.

وهذا ما يذهب إليه الفنان عبد الرحمن زينل، الذي يتعمد معالجة المشكلات الاجتماعيّة في أعماله، إضافة إلى القضايا السياسيّة الساخنة، لكن بصيغة حديثة، ورؤية تراثيّة. ويستنكر محمد الأستاد على الفنان العربي قيامه بتقليد ما يفعله الغربيون، وهو شخصياً قام برصد دورة الحياة في دولة الإمارات العربيّة المتحدة، والمداخلات المعاصرة التي أدخلت عليها، لاسيّما المداخلة العمرانيّة الحديثة التي طالت الريف والمدينة على حد سواء، مدللاً بذلك على الإشكاليّة التي تعاني منها الإمارات وغالبية دول العالم، والمتمثلة بالطرز المعماريّة الهجينة والدخيلة على بيئتها.

ويؤمن الفنان مطر بن لاحج بأن التراث قابل لإعادة اكتشافه من خلال الفن المعاصر، كونه يُشكّل في الأساس أحد المداميك الرئيسة التي ينهض عليها الفن، لهذا تعمد في بناء تجربته الفنيّة على معطيات التراث وخصائصه القابلة للتدوير.

أما بالنسبة للفنانة سلمى المري، فقد شكّل الموروث الشعبي، والعلاقات الإنسانيّة، وأنماط البشر، أرضاً خصبة للتعبير الفني. وقامت الفنانة خلود الجابري باتخاذ الصندوق (الذي كان العنصر الأساس في جهاز المرأة العربيّة، الذي يخرج من بيت أسرتها إلى بيت الزوجيّة، حاملاً ثيابها وصيغتها وحاجاتها الشخصيّة الأخرى) موضوعاً لأحد معارضها، حيث أكدت من خلال محتوياته الداخليّة، وحمولات سطوحه من تزاويق وزخارف، شغفها الكبير بالتراث الضارب بجذوره في التاريخ، ومن خلال هذا الشغف، أطلقت دعوة صادقة وحميمة، لإحياء الماضي بكل تلاوينه وأطيافه المفعمة بالدعة، والجمال، والبساطة، والقيم الاجتماعيّة النبيلة.

وظيفة الفن ودوره

الفنان خليل عبد الواحد، يعتقد بأن العمليّة الفنيّة لكي تتكامل، لا بد من العودة فيها إلى الجذور الأولى، وإلى القضايا التي تشغل الفنان، وترتبط بعالمه، يُضاف إلى ذلك، طروحاته التي تخلق مساحة كافية لتحديد المشهد، وتطوير الفرد في المجتمع.

في محاولتها للتعرف إلى الطيف الواسع للرموز التراثيّة والثقافيّة الإماراتيّة، أبحرت الفنانة فائزة مبارك في الكتب التاريخيّة، والمواقع الميدانيّة، والمتاحف، والحكايات الشعبيّة، وتفرست طويلاً في حلي النساء وأشغالهن اليدويّة الحاضنة لأسرار أرواحهن، وقصصهن مع الحياة، وقد لاحظت بأن هناك ارتباطاً وثيقاً بين الكثير من هذه الرموز ورموز أخرى مشابهة في العالم العربي.

أما الفنانة نوال العامري، فالتراث يسكنها، لهذا تسعى لاستحضار شواخصه الأثريّة، ورموزه كالمهرة، والحصان، والخنجر، وبيت السدو، والشجر، وبيوت القصب والطين، والأبواب العتيقة، والبراجيل، وغيرها من مكوّنات المكان، وتوظيفها في أعمالها.

وتُركّز الفنانة خلود النعيمي على الخيول، كونها ترمز إلى الشموخ، والرفعة، والأصالة، والجمال، وقد عاشرها الأجداد والآباء، ويجب أن يستمر وجودها في حياة الأبناء والأحفاد. وبالنسبة للفنانة منى الخاجة، فإن البيئة هي البطلة المطلقة في لوحاتها، والتراث عشقها الأول الذي تحرص على رصد تمظهراته وتوثيقها، قبل أن تطغى عليه وتبتلعه، معالم الحداثة.