لعل من بين الأشياء التي تثير الدهشة بشأن رواية موبي ديك للكاتب الشهير هيرمان ميلفيل، أن تلك الملحمة الأدبية التي تتناول الصراع بين الإنسان والحوت في إطار فلسفي عميق، قد تم تأليفها في أعماق الغابات بولاية ماساشوسيتس الأميركية، على مسافة تزيد على 200 كيلومتر من أقرب محيط.

وما زالت منطقة بيركشايرز الجبلية الهادئة، التي يغلب عليها الطابع الرعوي عند جبال «أبالاشيا»، تعتبر من المقاصد السياحية الشهيرة حتى يومنا هذا.

ولا تزال المناظر الطبيعية الخلابة في تلك المنطقة تجتذب الكتاب والرسامين. وجدير بالذكر، أن ميلفيل لم يكن أول كاتب يتوجه إلى بيركشايرز، حيث سبقه إلى المعيشة هناك أدباء، مثل أوليفر وينديل هولمز وناثانيال هاوثورن.

ولد هيرمان ميلفيل عام 1819 وفي مطلع الأربعينيات من القرن التاسع عشر، حصل ميلفيل على فرصة عمل على متن سفينة لصيد الحيتان، ولكنه هرب من السفينة وسقط في قبضة السكان الأصليين على جزر ماركيساس في منطقة بولينيزيا الفرنسية. واستطاع ميلفيل الهروب، وعاد إلى الساحل الشرقي للولايات المتحدة، بعد أن عبر تاهيتي وهاواي وأميركا الجنوبية، وقام في ما بعد برحلة إلى أوروبا.

وبعد كل هذه المغامرات، استقر ميلفيل عام 1850 في منطقة بيركشايرز الهادئة، ذات الطابع الرعوي.

وتقول جمعية التاريخ في بيركشايرز، إن هذا القرار كان «وليد اللحظة»، حيث كان ميلفيل يبحث عن مكان هادئ منعزل، يتيح له إمكانية التأليف، بعد أن توافرت لديه مادة جيدة للكتابة من كثرة رحلاته.

وفي وسط الغابات التي تطل على جبل جرايلوك، استرجع ميلفيل تجاربه السابقة بشأن المحيطات.

وكتب ميلفيل في عام 1850: «يتملكني هنا في الريف، الشعور الذي يخامرني في البحر، وبخاصة الآن، وقد اكتست الأرض كلها بالثلوج». وأضاف: «إنني أتطلع من نافذتي في الصباح، مثلما كنت أنظر من نافذة غرفتي على متن سفينة في المحيط الأطلسي».