كيف يمكن لرسام الأشياء الأقل غموضاً وجاذبية كالرايات والأهداف، أن يشكل في مرحلة لاحقة من مسيرته المهنية، الفنان الأكثر تعقيداً وإحباطاً من طائفة أولئك الذين أنتجتهم أميركا يوماً؟، تكمن إجابة الأحجية في اسم جاسبر جونز، الذي يشكل معرضه الاستعادي الأخير في الأكاديمية الملكية البريطانية، نوعاً من الاكتشافات المرحب بها بمعرض عنوانه «جاسبر جونز: شيء يشبه الحقيقة».

ولا تزال رموز الخمسينيات والستينيات كالصيغ المختلفة «للرايات»، تثير روح دهشةٍ متجددة، فتأسرك بنسختها المعاد إنتاجها بجودة فنية بحتة، والتراكيب البارزة للنجوم والشرائط المرسومة بخط اليد بألوان الشمع الكثيف، على أوراق صحف ملصقة في الخلفية. وسرعان ما تطالعك كأعمال صامتة بسيطة لا تعبّر عن شيء إلا ذاتها، بعمق وتأثير.

تساؤلات

وتدفع أعمال جونز، المشاهد للتساؤل، هل تصوير النجوم والشرائط لوحةً أو راية؟، وإن كانت الراية تصميماً تجريدياً، فهل رسم التجريد استعراض له وحسب؟، أو هل أن وضوح العلم يمنح طابعاً حيادياً للمادة، بحيث يصبح السطح الظاهر هو كل ما يهمّ؟.

أمعن جونز على مدى عقدين من الزمن في التلاعب بصور «الأشياء التي يعرفها العقل مسبقاً». أما لوحات «الأهداف» التي استعارت الأكاديمية الملكية البريطانية إحدى تجسيداتها، فكانت على القدر عينه من رعونة الرايات وبساطتها. إلا أنها كانت مشحونة بكمٍّ أغزر من العدائية، وصورت جونز على حقيقته ذاك الدخيل من الجنوب المنتمي إلى طبقة العمال، الذي يعيش فترة تعافٍ من طفولة متجولة تخلو من الحب والعاطفة.

أفكار

يلاقي المعرض زواره بلوحة «الأفكار المتسارعة» النمطية، لكن الغرفة الأخيرة منه تدرج واحدةً من أفضل أعمال جونز الأخيرة، وهي لوحة بعنوان «الفصول»، الوحيدة التي تدخل في إطار الصورة الشخصية الحقيقية للفنان.