رحلة طويلة عمرها 15 قرناً، شاهدة بكل تفاصيلها على أصالة اللهجات العربية التي تمتد جذورها التاريخية لأيام الجاهلية، ومنها اللهجة الإماراتية الغنية التي تحفل بمفردات وظواهر «لهجية» كانت متداولة في العصر الجاهلي ما قبل الإسلام، ولا تزال خالدة حتى اليوم.
بين أكثر من 20 لهجة محلية، والتفرعات التي انبثقت منها، وبين الجبل والبر والبحر والأرض الزراعية، واللهجات المرافقة لكل بيئة، والدلالات المختلفة لكل مفردة، جالت «البيان» في عوالم اللهجات الإماراتية، مع الباحث سلطان العميمي المتخصص في التراث الإماراتي، المنحاز قلباً وقالباً للأصالة، لنجد أنفسنا أمام قاموس لهجي واسع، مملوء على آخره بمفردات وظواهر وقفت صامدة في وجه الظلم الذي تعرضت له، والمتغيرات الكثيرة التي طرأت على المنطقة، متحدية كل التأثيرات والتحديات، حتى وصلت إلى بر الأمان مرفوعة الرأس.
بدأ سلطان العميمي حديثه لـ«البيان» بالتأكيد على أن صلة اللهجات المحلية بالفصحى قديمة جداً تعود إلى ما قبل الإسلام، وتحدث عن أبرز المفردات والظواهر في اللهجات المحلية فقال:
من المفردات المحلية ما كان مذكوراً في الشعر الجاهلي قبل الإسلام، ككلمة «خصين» التي تعني الفأس، وهي كلمة محلية فصيحة، وكلمة «الغاف» وهي شجرة معروفة، وكلمة «الدردور» التي ذكرت في المعاجم القديمة، وهي فصيحة تعني الدوامة البحرية، ولا تزال مستخدمة حتى يومنا هذا، وغيرها.
ظواهر لهجية
وعن الظواهر اللهجية قال: تتمثل الظواهر في طريقة نطق بعض الحروف، وكانت القبائل العربية القديمة التي عاشت في منطقة ساحل الخليج العربي ومناطق الإمارات منذ أكثر من 15 قرناً، تقلب حرف الجيم إلى ياء في الكلمات، كما كان بعضها يضيف حرفي الياء والهاء للنسبة، مثل كلمة «كتابيه»، وهذه اللهجة يتحدث بها أبناء منطقة الظفرة في إمارة أبوظبي اليوم، إلى جانب ظاهرة «العنعنة» وهي نطق الهمزة عين.
وذكر العميمي أن دولة الإمارات تحتوي على أكثر من 20 خصوصية لهجية، وقال: يمكننا تمييز أكثر من 20 لهجة في الإمارات في مختلف بيئاتها البرية والساحلية والزراعية والجبلية.
تنوع بيئي
وعن هذا التنوع في اللهجات ضمن دولة واحدة قال: يعود سبب التنوع اللهجي إلى التنوع البيئي من جبل وبحر وبر وأرض زراعية، حتى إن لهجات البيئة الواحدة تختلف من إمارة لأخرى، ومثال ذلك لهجة أهل الظفرة في أبوظبي التي تختلف عن لهجات البادية الموجودة في الإمارات الشمالية، إضافة إلى التنوع القبلي.
وما إذا كان هذا التنوع والاختلاف في اللهجات المحلية يوحد أم يفرق، أجاب العميمي: برأيي أنه يوحد ويثري، لا سيما وأن الجذور واحدة، والاختلاف لساني فقط، وهذا التنوع قديم جداً ويشكل مصدر اعتزاز بالهوية المحلية. وأشار إلى أن مفردات وظواهر اللهجات الإماراتية وغير الإماراتية قديمة جداً، كلهجات أبناء دول الخليج العربي، إضافةً إلى الظواهر الصوتية الموجودة فيها منذ القدم.
لافتاً إلى أن التفاعلات التي حدثت في اللهجة الإماراتية يعود تاريخها إلى 1500 سنة، وقال: التفاعلات هي ما طرأ على اللهجات المتحدَث بها في منطقة ساحل الخليج العربي ومناطق دولة الإمارات في تلك الفترة، ونقصد بها توليد مفردات جديدة باللغة، والتأثر بلغات أخرى والتأثير فيها.
ظلم ووعورة
وأكد العميمي أن ظلم المعاجم اللغوية لمنطقة دولة الإمارات، يكمن في أن المعجميين القدامى تجنبوا لغات العرب ولهجاتهم من منطقتين، المناطق الساحلية، وكل إمارات الدولة التي تمتلك حدوداً ساحلية على الخليج العربي، ما عدا الفجيرة، كما تجنبوا المناطق المتاخمة للربع الخالي، لصعوبة الوصول إليها ووعورة الطريق المؤدي لها، وهو ما ظلم الفنون أيضاً.
وأكد العميمي أن اللهجات الإماراتية لا تزال تتعرض للتفاعلات وعمليات التأثر والتأثير بالحضارات واللغات الأخرى، لأسباب عدة أبرزها الانفتاح الإعلامي وتطور وسائل التواصل، مشيراً إلى أنه من الصعب منع هذه التأثيرات.
ومشدداً في الوقت نفسه على ضرورة الحفاظ على لهجاتنا المحلية من خلال إبرازها وتوظيفها في الأعمال الأدبية والسينمائية والتلفزيونية والإعلامية والإذاعية، وإجراء دراسات أكاديمية ومنهجية حولها.
مصير
وفي سؤالنا عن مصير اللهجات الإماراتية خلال الأعوام المقبلة، قال العميمي: نعيش في عصر حياةٍ متغيرة يصعب معها التنبؤ بما سيحدث بعد 10 سنوات، ولكن اللهجات الإماراتية حافظت على مدى 15 قرناً على مكوِّن قوي من مكوناتها هو المكون العروبي، وهناك جهد واضح من قبل مؤسسات الدولة لتعزيز حضور اللهجات الإماراتية والمحافظة عليها.
ويعمل سلطان العميمي على معجم لهجي محلي، وعنه قال: هو معجم أبجدي مخصص لمفردات اللهجة الإماراتية مشروحة بالفصحى، بدأت العمل عليه منذ 12 عاماً متبعاً فيه منهاجاً أكاديمياً، وأسعى من خلاله إلى تغطية كل البيئات الإماراتية، مراعياً تنوع اللهجات وتعددها.
والظواهر الصوتية الموجودة فيها، وفيه تظهر اللهجات المتنوعة وما ولدتها من خصوصية محلية، ويمتاز المعجم بتشكيل الكلمات والحروف لتسهيل عملية نطقها، كما سيتحول مستقبلاً إلى معجم صوتي.
مسؤولية مشتركة
وأشار العميمي إلى أن الحفاظ على هذا الموروث مسؤولية مشتركة، بين المؤسسات الثقافية والبحثية في الدولة، التي يتوجب عليها الاهتمام بتوثيق اللهجات في الدولة وتأهيل الباحثين في هذا الجانب ودراسته، وبين الباحثين الذين يعملون بجهود فردية، أو الذين يعملون تحت إشراف مؤسسي وبين أبناء الإمارات أنفسهم، الذين يتوجب عليهم التمسك بلهجاتهم والاعتزاز بأصالتها وتاريخها العريق، إلى جانب الإعلام الذي يجب أن يركز على توظيف اللهجات المحلية في الأعمال الفنية.
