في عالم تغزوه التكنولوجيا من كل جانب، وتتربع فيه التقنيات الحديثة على العرش، بات حضور الرواية الإلكترونية مطلباً حقيقياً، ما يسهم في وصول الفكر والإبداع إلى القراء أينما كانوا، ويوسع من انتشار الكتاب، ويزيد رواجه بين الجمهور على اختلاف شرائحه وثقافاته.

ورغم الإجماع الكبير على أهمية النشر الإلكتروني كرافد مهم من روافد المعرفة، ووسيط فكري يتيح الاستفادة من الإبداع بأفضل صورة ممكنة، إلا أن الأمر لا يزال محفوفاً بالقلق، فالصورة لا تزال غير مكتملة، والقوانين وأخلاقيات النشر الإلكتروني ليست واضحة المعالم والملامح.

«البيان» تواصلت مع باقة من الشخصيات الفاعلة والمؤثرة في مجالي الثقافة والنشر، ليؤكدوا أهمية النشر الإلكتروني، لافتين إلى أنه لن يؤثر سلباً في الكتاب الورقي، ومؤكدين وجود عوائق وتحديات تواجه الكاتب والناشر في هذا المجال.

أكد أحمد بن ركاض العامري رئيس هيئة الشارقة للكتاب، أن النشر الإلكتروني يعد رافداً مهماً من روافد المعرفة، وأن الكتاب الإلكتروني يعد اليوم وسيلة ميسرة للباحث والقارئ، يمكن بتوظيفها اختصار مسافات جغرافية وزمنية كبيرة، لافتاً إلى أن الرؤية التي تنطلق منها الشارقة بتوجيهات صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، مبعثها إيمانها بأهمية المعرفة كقيمة إنسانية وحضارية كبيرة، تسعى من خلالها إلى بناء مجتمع متين، وفتح آفاق الحوار مع مختلف ثقافات العالم، ولذا تنظر الإمارة إلى مختلف وسائط المعرفة بوصفها رافداً يمكن الاستفادة منه، وتدعيم تجربته، سواء كان كتاباً ورقياً، أو كتاباً إلكترونياً أو حتى فيديو تسجيلياً، أو كتاباً مسموعاً، وقال العامري: تشكل عناية الإمارة بالكتاب الإلكتروني واحداً من جهودها في العناية بالمعرفة والقراءة بالدرجة الأولى، فالكتاب الإلكتروني وسيط معرفي وليس مادة ثقافية بحد ذاته، كما أن التوجه نحو الكتاب الإلكتروني لا يعني التنازل عن الكتاب الورقي، وليس غريباً أن يتوجه العالم إلى الوسائط المعرفية الإلكترونية وخاصة في ظل ما نشهده من تسارع تكنولوجي كبير، لكني ما ينبغي الإشارة إليه هو أن ما يتم استحداثه اليوم يشكّل رافداً جديداً ومعيناً للقارئ والباحث عن المعرفة، ولا يعد أداة محو لأشكال المعرفة السابقة، فالكتاب الإلكتروني إضافة جديدة إلى جانب الكتاب الورقي وليس وسيلة لهدم تاريخه والاستغناء عنه.

تحديات وعوائق

عوائق عدة تواجه النشر الإلكتروني، ما يؤثر في حضور الرواية الإماراتية في هذه الساحة، تحدثت عنها د. مريم الشناصي، صاحبة دار الياسمين للنشر والتوزيع، قائلة: ما زلنا نتحدث عن النشر الإلكتروني، وهو ما يتضمن عدة نقاط ومحاور، يأتي على رأسها البيع الإلكتروني، فهناك فرق بين النشر الإلكتروني والبيع الإلكتروني، فنشر الكتب إلكترونياً من أجل النشر فقط ومن دون مقابل، يُعرِّض حقوق الكاتب والناشر للضرر، أما حين نتحدث عن بيع الكتب إلكترونياً، فقد يُقصَد به إما طلب القارئ شراء الكتاب إلكترونياً ومن ثم الحصول على نسخته الورقية منه، وإما تنزيل الكتاب إلكترونياً والاحتفاظ به، وهنا أيضاً تظهر عدة تساؤلات عن مدى قدرة الشخص الذي يحتفظ بنسخة إلكترونية على منحها لغيره أو لا، وهذا ما يضع النشر الإلكتروني أمام تحديات وعوائق كثيرة قد تمس أحياناً بمصالح الكاتب والناشر.

وعن مدى حضور الرواية المحلية إلكترونياً، قالت الشناصي: الصورة لا تزال غائبة الملامح، فالقوانين والتشريعات غير مكتملة في هذا الجانب، ولا تزال بحاجة إلى وقت، إضافة إلى عدم جرأة الناشر واستعداده للخوض في ذلك، لما يترتب عليه من إدارة وتحصيل الأموال وتوقيع اتفاقيات مع أكثر من طرف.

ولفتت الشناصي إلى أن العزوف عن النشر الإلكتروني مبعثه أن قوانين أو أخلاقيات النشر الإلكتروني ما زالت غير واضحة المعالم، مشيرة إلى أن هذه الجوانب غير مكتملة في العالم العربي، وقالت: إذا لم يكن النشر الإلكتروني منظماً، ولم توجد له قوانين أو قواعد، فإن الكاتب والمصمم والناشر سيتعرضون بلا شك للضرر، ولذا، فهذه الموضوعات بحاجة إلى إعادة نظر.

بصيص أمل

أكد محمد أحمد بن دخين المطروشي، عضو مجلس إدارة جمعية الناشرين الإماراتيين، صاحب دار التخيل للإعلام والنشر، أن التكنولوجيا هي حقيقة الحياة والتطور البشري الطبيعي، لافتاً إلى أهمية النشر الإلكتروني، مشيراً إلى أن العالم العربي لم يواكب صناعة النشر الإلكتروني بأدواته الحديثة الآن كما هو حادث في العالم الغربي وفي آسيا، وقال: لم يتأخر العالم العربي في النشر الإلكتروني فقط، بل في الترجمات الإلكترونية أيضاً، رغم أن دول العالم طورت ترجماتها وأصبح نقل العلوم سهلاً، إلا أن العرب لم يعطوا أهمية كبيرة للترجمة، ولكننا في الإمارات لدينا بصيص أمل لما توليه دولتنا من اهتمام في هذا الجانب، ولا سيما أنها تخصص استثمارات كبيرة للترجمة والمعارف الأدبية، ودعم الكتاب بكل الطرق والأساليب الحديثة.

وأشار ابن دخين إلى أن حضور الرواية الإماراتية في عجلة النشر الإلكتروني دون المستوى، رغم الجهود الواعدة في هذا المجال، وقال: بالمقارنة بما وصلت إليه دولتنا من تطور وتوفير الخدمات الإلكترونية، نجد حضور الرواية المحلية إلكترونياً خجولاً.

ولفت إلى أن الطباعة الرقمية ستسهل توفير الكتاب للقارئ، كما ستوفر الجهد المتعلق بمسائل التخزين وغيرها، نافياً أن يؤدي النشر الإلكتروني إلى كساد الكتاب الورقي.