ينظر محمد عبده إلى البعيد. يصفق الجمهور في الصالة الكبيرة في مركز دبي التجاري العالمي، ينادونه من مقاعدهم "بو نورا.. بو نورا"، يسمون له طلباتهم من الأغاني، يطلقون آهاتهم حين "يسلطن"، وبعضهم تصل به الحماسة والاندماج إلى الصراخ التام. لكن صاحب "البرواز" و" الأماكن" لا يتوقف عن التحديق في تلك النقطة البعيدة، للحظات، قد تبدو غير مرئية لكثر إلا الذين جلسوا في الصفوف الأولى، وتمكن لهم متعة مراقبة أدائه وسمات حركاته وتأثره وطقوسه.
ينظر الرجل الذي جاء إلى دبي "لكي يسعد جمهوره"، كما عبر، في حفلة نظمتها شركة "روتانا" ضمن "العيد في دبي"، إلى نافذة ملكوته الخاص. لعله مجلس لا نعرف عنه الكثير. سر من أسرار المبدع. من ترى يراه، حين يغني، أعذب صوت حي في عالم العرب اليوم؟ حين يحدق إلى مجلس الوحي السري الخاص به، هناك في النقطة المعلقة ملهمة؟ ملهم؟ أم مجموعة كبيرة من الوجوه التي صاحبته في رحلة مديدة ومعمرة لم تتوقف فيها روحه عن التحليق وقلبه عن أن ينبض بما في الشغاف من حب وحنو نادرين؟ أم هو يشاهد شريطاً من عمر بهي غرس فيه محبوه الكثير من الامتنان والتقدير لـ "فنان العرب" الذي لا يزال يرفع قامة تذكرنا بأنه ذات يوم كان لنا كبرياء اسمه محمد عبد الوهاب وكرامة ثقافية اسمها أم كلثوم وعزة باقية اسمها فيروز.
محمد عبده هو مزيج من كل هؤلاء: سلطنته كلثومية وموسيقاه تذكر بعبق عبد الوهاب والتزامه الذي يتجلى بذوبانه على المسرح حتى النخاع في جو كلمات وإيقاعات أغنياته يذكرنا بفيروز، لكنه، مع كل هؤلاء، هو قامة متفردة، معطاءة بشكل دائم نحتاج إليها في زمن فقدنا فيه قدرتنا على إنتاج الجمال وتذوقه. فأصبحنا متبلدين، نسير بخيبات كثيرة ومخاوف تدفعنا للاختباء وإخفاء مشاعرنا. وحده صوت صاحب "على البال" يجعلن راغبين بأن نكسر هذه الشرنقات الواهية ونحلق معه إلى أبعد نقطة، كما تقول كلمات أغنياته، إلى ما فوق الشوق والخيال والنسيم.
لأكثر من ساعتين، ومن دون توقف، ولا تعب، وكما يليق بفنان ملتزم، من زمن الكبار، يعرف أن الفن قيمة واحترام قبل أمر آخر، زرع محمد عبده في حفلة "روتانا" شجناً في قلوب محبيه من الشباب، قبل الكبار. مشهد لا يمكنك إزاءه إلا أن تحني الهامة ترفع القبعة: هذا رجل تمكن من أن يحاور أجيال ويبقى على عرشه. تغيرت ظروف، نشبت أحداث، تبدلت خرائط، لكن عبده باقي كما كان دوماً: أمينا على خزائن الفن الراقي، تواقاً إلى التجديد، ساعياً لزرع الفرح أينما حل. لأنه، على عكس كثر، لم يرض إلا بخارطة واحدة.. خارطة الحب. هناك حيث يصوب عبده دوماً نظره!

