ترك أرشيفاً يوثّق للذاكرة اللبنانية والقضية الفلسطينية

الموت يُغيّب جان شمعون رائد السينما الوثائقية

صورة

بعد عقود طويله، ظل فيها المخرج اللبناني جان شمعون (1944- 2017) متسلحاً بكاميراته، تمكن الموت، أول من أمس، من إطفاء وهج المدافع الشرس عن لبنان، والقضية الفلسطينية، مخلفاً وراءه أرشيفاً كاملاً يحمل بين ثناياه مشاهد من الذاكرة اللبنانية وواقعها بكل حلوه ومره، فصاحب «أنشودة الأحرار» و«تل الزعتر» يعد الذاكرة المدونة للحرب الأهلية والاحتلال الإسرائيلي والقضية الفلسطينية، عبر جملة أفلامه الوثائقية، التي أورد فيها الكثير من التفاصيل الإنسانية المؤثرة، التي تخلفها الحروب على الطفل والمرأة والناس أجمعين ، فيصنفه البعض بانه رائد السينما الوثائقية .

مرض الزهايمر

فقد وضع مرض الزهايمر أول من أمس، السطر الأخير في حياة ابن البقاع اللبناني، الذي آثر ترك بيئته الريفية وعدم الالتفات لتخصصات الزراعة أو العلوم السياسية والاجتماعية آنذاك، ليحط رحاله في معهد الفنون الجميلة، ومنه انتقل نحو العاصمة الفرنسية باريس ، لاستكمال دراسته السينمائية، حيث تشكل وعيه ومنعطف حياته، لا سيما أنه تصادف وجوده هناك في زمن يغلي، شهد أحداث مايو 1968 التي اجتاحت فرنسا آنذاك محدثة زلزالاً اجتماعياً وطلابياً هناك.

شمعون ترك باريس بعد أحداث 1968، ليعود إلى حضن وطنه، حيث الواقع الذي دمرته الحرب اللبنانية، فكان لذلك مدعاة بأن جعله شديد الاقتراب من قضايا زمنه ووطنه والقضية الفلسطينية أيضاً، فخلف ذلك باكورة أعماله الوثائقية، التي حمل عنوان «تل الزعتر» (1977)، ذاك الفيلم الذي روى فيه جان شمعون مع شركائه المخرج الفلسطيني مصطفى أبوعلي، وبينو أدريانو واقع ذلك المخيم والصمود البطولي لأهله في وجه الحصار الخانق، ليقدم جان من خلاله إجابات على أسئلة كثيرة، أبرزها لماذا تل الزعتر؟

تل الزعتر

لم يمض عام واحد، على إنتاجه «تل الزعتر»، حتى انخرط شمعون في المقاومة التي فضل دخولها باستخدام كاميراته التي وجد فيها سلاحاً قوياً يواجه به العدو والتاريخ، فكان فيلمه الثاني «أنشودة الأحرار» (1978) الذي وجه من خلاله تحيه إجلال لحركات المقاومة.

لم يكن رائد السينما الوثائقية اللبنانية، بعيداً عن الأهوال التي أحداثها الاجتياح الإسرائيلي لبيروت في الثمانينيات، فقد اقترب منه كثيراً عبر عدسته التي صور من خلالها كل ما يمكن له أن يوثق الحدث، ولأجل ذلك اعتلى مع شريكته ميّ المصري أسطح المنازل، ونقبا في الأنقاض بحثاً عن مشاهد توثق الاجتياح ومرارته، التي أفاض بها فيلم «تحت الأنقاض» (1982).

أحلام معلقة

المرأة اللبنانية الجنوبية كان لها مكان في أعمال شمعون، فقد استطاع أن يلفت الأنظار إليها عبر مشاهد فيلمه «زهرة القندول» (1985) الذي وثق فيه مقاومتها للاحتلال. على مر السنوات لم يخفت وهج شمعون ولم تصب همته بالفتور، حيث أنتج خلال الفترة اللاحقة أفلام «جيل الحرب» (1989) و«أحلام معلقة» (1992)، و«رهينة الانتظار» (1995).

أخرج الراحل 12 فيلماً،مع شريكة حياته الفلسطينية ميّ المصري، عرضت في أكثر من 100 بلد، ليظل «طيف المدينة»، الذي قدمه عام 2000، الفيلم الروائي الوحيد، والأبرز في مسيرته، حيث صاغ فيه شهادته عن الدم والحروب، التي شهدها بأم عينيه، فكانت مكافأته بأن نال جائزة لوكينو فيسكونتي الإيطالية.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات