عبثٌ ينتحل صفة الفن، هذا باختصار ما يصف الجرائم التي ترتكبها الأغنيات الهابطة في حق الفن الراقي، مُلقيةً بالذائقة الإبداعية عرض الحائط، غير مكترثة بجيل جديد يتفتح وعيه على كلمات لا ترقى لمستوى السمع، وألحان تُفقِد الثقة بالآلات الموسيقية، مرفقةً بكليبات تحطم ما تبقى لنا من أمل في الارتقاء بالفن.

موجة أغنيات هابطة انتشرت بمدٍ لا جزر له، فبين يوم وآخر تطل علينا أعمال لا تندرج تحت أي تصنيف، آخرها «ركبني المرجيحة» التي انتشرت كما النار في الهشيم، لتُحدِث ضجة كبيرة بمجرد عرضها، مستفزةً الجمهور العربي عامةً والمصري خاصةً بشكل بالغ، لتأخذ كل من يستمع إليها في جولة إلى الحضيض، وتبقيه -في آخر المطاف - في الحضيض نفسه.

جرعات نشاز

ردود أفعال صاخبة رافقت «المرجيحة» التي تسلق مؤدياها أحمد أبو شامة ودالي حسن على أكتاف الفن، مغمضين أعينهما عن الموهبة ودورها، لينهالا بجرعات نشاز على رؤوس الجمهور، مرفقةً بباقات سذاجة لا تضيف شيئاً بقدر ما تسيء للفن.

مشاهدات مليونية حققها كليب «ركبني المرجيحة» ومقاطع مصورة جاءت رداً على صاحبته التي ألقت بنفسها إلى التهلكة عن سبق إصرار وترصد، وهو ما لم تتقبله دالي حسن التي ترد بأسلوبها المستفز على أي انتقاد متحديةً كل من يحاول إبداء رأيه بأغنيتها أو صوتها.

وقد انبرى الشباب المصري في مواجهة «ركبني المرجيحة»، موجهين رسائل حادة اللهجة لدالي حسن التي تفرض نفسها فرضاً عبر «وسائل التواصل»، مؤكدةً أن قائمة أعمالها الفنية طويلة وتستعد لتأديتها واحداً تلو الآخر، وقد أثارت موجة من السخرية بين الجمهور حين علَّقت على حالة الغضب الجماهيري مرجعةً السبب إلى أحقاد الناس وغيرتهم من نجاحها الساحق.

مأساة

ومع «الواد ده بتاعي» تتواصل المأساة، فالطفلتين مريم فؤاد (8 سنوات) وشهد فؤاد (6 سنوات) تتشاجران على قلب نفس الصبي، وتتراقصان في حوض السباحة على وقع كلمات تقتل براءتهما، وألحان لا علاقة لها بالموسيقى، لتفجر هذه الأغنية حالة من الغضب الجماهيري، والمأساة الكبرى أن أمهما هي التي تقف وراء إنتاج كليب الأغنية السيئ، واستنكر البعض قبول الأم ومساندتها لطفلتيها للقيام بتأدية بطولة هذا الكليب، لافتين إلى أن هذه النوعية من الأعمال تشكل خطراً على الأطفال وتؤدي للبلوغ المبكر الذي ينتج عنه خللاً نفسياً.

تخبط وعشوائية

هي مأساة بكل معنى الكلمة، بدأتها هيفاء وهبي بـ «أنا هيفا» و«الواوا» وأكملتها ماريا بـ «العب العب»، ترافقهما روبي بـ «ليه بيداري كده» و«كل ما أقول له آه»، ليتخبط الفن بين أيدٍ لم يكن أصحابها على قدر المسؤولية والأمانة، ونجد أنفسنا ضحايا لهجمة شرسة يتفنن أبطالها في اختراع طرق جديدة تأخذ الفن إلى الهاوية.

والمشكلة الأكبر أن أغلب الأغنيات الهابطة، تستخدم كلمات أو مفردات يستخدمها الأطفال، وطريقة تصوير تستهوي صغار السن، لترتدي مؤدية الأغنية ملابس ملونة جاذبة، أو ملابس العرائس الوردية، أو تلقي بنفسها في مصنع للحلوى، وكأن الأغنية مخصصة للأطفال.

«الشعبية» بريئة

وفي محاولة لتصنيف هذا النوع من الأغنيات، أدرجها البعض تحت إطار «الأغنيات الشعبية»، إلا أن هذا التصنيف يسيء وبشكل كبير للأغنية الشعبية التي لطالما حافظت على الذائقة الفنية رغم بساطتها ومصافحتها للشارع، والعفوية البالغة بين ثناياها.