تتألق الآلة الموسيقية وتتوهج بين أيدي عازف عرف مكامن قوتها، فانطلق منها، وتلمَّس نقاط ضعفها، فمنحها من إبداعه قوة، واكتشف زوايا سحرها، فأبدع وأبهر.
ومع الموسيقار الروماني جورج زامفير، تحولت آلة «البان فلوت» إلى قصة برع زامفير في سردها، ليتحول إلى ملك الفلوت بلا منازع، ويكسب رهان الجمهور والنقاد الذين أجمعوا على براعته كونه موسيقاراً فريداً من نوعه، وذلك بعد إعادته لتقديم الفلوت القديم إلى الجمهور المعاصر بحرفية كبيرة، معيداً إحياء هذه الآلة من جديد بعد الإهمال والجفاء اللذان تعرضت له.
تطوير وبراعة
ويعد زامفير أفضل عازف على البان فلوت، وقد سعى جاهداً لتطوير الآلة على مدى سنوات طوال، ليضيف 10 قطع خشبية على الفلوت الأصلي المكون من 20 قطعة، ليصل عدد هذه الآلة السحرية إلى 30 أنبوباً على يديه. ولبراعته، فقد نجح زامفير في قطع خطوات في العزف على هذه الآلة، حتى ارتبطت به ارتباطاً مباشراً، واشتهر بقدرته على تقديم مقطوعات مبهرة من خلال 30 أنبوباً، ليقدم نغمات مختلفة وساحرة، يتنقل فيها بين الطبقات بمهارة لافتة بانتقاله من أنبوب لآخر.
جوائز وتميز
وفي رصيد زامفير عدد كبير من الألبومات، إلى جانب مقطوعات عدة لم تُطرح في ألبوماته، وحققت أعماله جماهيرية واسعة، وتجاوزت نسبة مبيعات ألبوماته الـ 40 مليون نسخة، كما حاز هذا الموسيقار العبقري 120 جائزة ذهبية وبلاتينية في الموسيقى، للوقع الساحر الذي تتركه كل مقطوعة أثناء عزفها، ليبقى تأثيرها حاضراً بعد انتهائها بكثير. وعزف زامفير على البان فلوت مقطوعات عالمية كثيرة، كما ألف العديد منها للأفلام، وتمكَّن من إدخالها إلى أوركسترا الموسيقار والمايسترو الألماني الكبير جيمس لاست، الذي عزف معه مقطوعة «الراعي الوحيد».
طموحات كبيرة
ومنذ طفولته، شعر زامفير بانجذاب نحو الموسيقى، فاتجه نحو البان فلوت، وظهرت موهبته وهو في مرحلة الصبا، ونمت وتطورت بسرعة مع هذه الآلة، بشكل لفت أنظار الجميع وأدهشهم، لا سيما أساتذته في معهد الموسيقى في بوخارست الذي درس الموسيقى فيه، ولمهارته الكبيرة، نال زامفير أولى جوائزه الموسيقية بحصوله على المركز الأول على رومانيا في العزف.
وعرف زامفير بطموحه الكبير، وكونه شغوفاً بالموسيقي، لم يتوقف إبداعه عند حدود البان فلوت، بل تعداه إلى البيانو، الذي أتقن العزف عليه أيضاً، كما لم تقف إبداعاته عند حدود الألبومات، بل صافح السينما من خلال تقديمه سيمفونيات جميلة وقطعاً مميزة من الموسيقى التصويرية في الكثير من أفلام هوليوود، ومن أشهر الأفلام التي حصلت على نصيب من روائعه «حدث ذات مرة في أميركا» و«فتى الكاراتيه»، وغيرهما.
حفلات أسطورية
وكان عام 1966 شاهداً على أول ألبوم خاص بزامفير، ليقدم من خلاله مقطوعات خالدة عدة، وبعد هذا الألبوم أصبح اسم زامفير من أبرز الأسماء في عالم الموسيقى، لتقام له أفخم وأرقى الحفلات الموسيقية الأسطورية في أبرز وأشهر القاعات العالمية في نيويورك ولندن وباريس والصين واليابان وغيرها. وتجاوزت حالة الإبهار التي صنعها زامفير حدود الجمهور، لتصل إلى النقاد، الذين وصفوه بعبقري البان فلوت، فيما اعتبره بعضهم أسطورة حقيقية، وكان هذا الموسيقار من القليلين، الذين يتفق حولهم نقاد الموسيقى.
ووصلت معزوفات زامفير إلى العالم، وجالت في مختلف البلدان، وكان هذا الموسيقار يمتلك قناعة مغزاها بأنه يعزف ليسمعه الجمهور، وبأن الموسيقى يجب أن تصل للناس، وأن أهميتها تكمن في ملامسة أحاسيسهم ومشاعرهم، وليس في بيعها أو الحصول على أرباح من ورائها.
