تلحق نيويورك بركب تاريخ الفن الأفريقي الحديث، على الرغم من ابتعاد المتاحف الكبرى عن تلك الأجواء. ويحظى فنانان أفريقيان طليعيان من القرن العشرين بأول معرض منفرد لهما، وإن لم يكن في أروقة متحف غوغنهايم للفن الحديث بل في قاعات عروض أصغر واقعة في المدينة.

كما تشق مجموعة من اللوحات آتية من جمهورية الكونغو الديمقراطية طريقها للظهور الأول في معرض بحيّ كونيز النيويوركي.

انطباع مبهر

وكان الفنان السنغالي مور فاي قد أعطى انطباعاً مبهراً قبل عقدين ضمن معرض جماعي بمتحف الفن الأفريقي الهامد اليوم، ثم في سوهو. إلا أن أعماله التي غابت منذ ذلك الحين قد عرضت مجدداً في غاليري سكوتو لتشكل أحد أروع معارض الرسم في تشيلسيا للموسم.

وفي حين أمضي فاي حياته في أفريقيا، غادر الرسام إرنست مانكوبا الذي تُعرض 23 من لوحاته في الطابق الثاني من غاليري أيكون- غادر القارة مبكراً وبقي بعيداً. وشق طريقه في العام 1938 عبر لندن وصولاً إلى باريس.

الحس الجمالي

شعر فاي بالاستياء العميق إزاء الحسّ الجمالي المفروض من الدولة ووجده تبسيطياً لناحية مطالبته بالدمج الفني بين المضمون الأفريقي والطابع الأوروبي. وتوقف عام 1976 عن عرض أعماله بعد أن شكل نجم المهرجان العالمي الأول لفنون السود في داكار، ليمضي سنوات حياته المتبقية متنقلاً بين مستشفيات الأمراض العقلية حتى مماته بمرض الملاريا الدماغية في السابعة والثلاثين من العمر.

وكانت الحرية لمانكوبا مرادفةً للانعتاق من الطابع الأفريقي أو الغربي للأعمال الفنية، وقد صاغ انطلاقاً من ذلك ما اعتبره تركيبات تنتمي إلى الطوباوية الخيالية.

لكنه اختبر على الرغم من توقه الشديد للتفلّت من شعور العزلة، إقصاءً أوروبياً وصفه ذات مرة بالقول:«لقد كان الإحراج الذي يسببه وجودي يصل إلى نقطة اعتباري في نظرهم الرجل غير المرئي، في خطوة مبررة إذ لم يسبق لأي رجل أسود قبلي أن شكل جزءاً من الفنون البصرية الطليعية في العالم الغربي».

المعرض الأوروبي

إلا أن الأمور تتخذ منحى مغايراً الآن، حيث أعمال مانكوبا ستعرض هذا العام ضمن فعاليات المعرض الأوروبي المرموق «دوكومنتا»، علماً أن أحد أبرز المعارض التي تشهدها مدينة نيويورك تحت عنوان «رابطة فنون عمال المزرعة الكونغولية»، وذلك في متحف مركز المنحوتات بمدينة لونغآيلاند، حيث تعرض أعمال لفنانين من أفريقيا الوسطى ممن يشغلون مزارع حقول الكاكاو والنخيل.

ويتسم المشروع بإشكالية سياسية على كافة الأصعدة تقريباً، ويكتسب لهذا السبب تحديداً صفة الإذهال. فهو لا يثير التساؤلات حول اختلال مكامن السلطة القائمة على العرق والطبقة اللذين يشكلان أسس الحضارة الغربية الحديثة، وترفض مع ذلك متاحفنا بالمطلق التطرق لها أو تقديم إجابات حولها.