كان يا ما كان في حاضر الزمان فنان عراقي يدعى صادق كويش الفراجي، فرضت عليه اضطرابات الأقدار الرحيل بعيداً عن بغداد ليعيش في الغربة، مودعاً قلبه ووجدانه في أجمل أمكنة مدينته «حديقة الأمة»، التي كانت له بمثابة أم احتضنت ذاكرته وأجمل ما في منعطفات حياته من طفولته وحتى شبابه.
ويعود الفنان الفراجي إلى الجمهور ليحكي عبر معرضه الذي يستمر حتى 6 مايو المقبل، ومن وحي عوالم الواقعية السحرية عما كان، بومضات بصرية سخَّر لها ملكاته الفنية، لتنقل ما حملته ذاكرته من لواعج الحنين إلى زمن كينونة ذاكرته. وما أشعل شرارة الإبداع فيه الشرخ أو التصدع بين الذاكرة البصرية والوجدانية لما قبل وبعد اغتراب عقدين، حيث تحول فردوس حديقته إلى أطلال هرمة غابت عنها ظلال خضرة أشجاره وأنغام نوافير مياهه.
وحكايته يرويها لنا عبر 9 شاشات ضخمة شغلت مساحة صالة «مركز مرايا» في القصباء بالشارقة، ليتوسطها عمل نحتي ضخم بمثابة صرح يختزل روح ومضات أفلامه التسعة التي تأخذ المشاهد إلى عوالم ما اختزنته الذاكرة بين الواقع والخيال.
أسلوب سريالي
يحمل كل فيلم من رسوماته المتحركة التي يبلغ مجموع كوادرها 14 ألف صورة هامشاً مما أملته عليه ذاكرته بأسلوب سريالي يجمع بعضاً من تفاصيل ذاكرته كصورة له في تلك الحديقة حينما كان طفلاً يرتدي ملابس رجل «الكاوبوي» في أيام العيد بصحبة أبيه، وأخرى للطفل السابح في الفضاء من جدارية الثورة لفائق حسين.
والطيور المهاجرة والعاشق الذي يهدي حبيبته زهرة والتي تتشكل في رحم الوجه الذي يطالع الزائر والأشبه بصندوق الحاوي لمختلف ومضات الذاكرة الوجدانية التي تنبثق من داخله وترحل. أما منحوتته في الوسط فمستلهمة من شخصية لوحاته وأعماله السابقة التي يشبه تكوينها ظل الإنسان على الأرض، وتعتبر جزءاً محورياً من حكايات أعماله، وتمثل رمزيتها الإنسان البسيط المثقل بأعباء الحياة.
ويحكي الفراجي مع «البيان» عن ذاكرة أصوات محيط المكان التي تشكل جزءاً من العمل قائلاً: «كانت الحديقة محاطة ببانوراما للحياة من السينمات التي كانت تزينها لوحات مرسومة باليد لأبطال أفلامها إلى المقاهي، وباعة تسجيلات الأغاني التي كان كل منها يصدح بأصوات مطربيّ زمن الستينيات والسبعينيات من أم كلثوم إلى عبدالحليم حافظ والمغنين العراقيين، والتي تختلط بأصوات رواد المقاهي والباعة المتجولين».
براجيل وأيام
تم إنجاز هذا العمل بتكليف من «مؤسسة بارجيل للفنون» غير الربحية في الشارقة التي تساهم منذ تأسيسها عام 2010 في التنمية الفكرية للمشهد الفني في العالم العربي، كما تعاون في دعم المشروع غاليري «أيام» في دبي.
سيرة الفراجي
ولد صادق الفراجي في بغداد عام 1960، يعيش ويعمل في آمرسفورت بهولندا. وحصل على بكالوريوس في الفنون الجميلة والتشكيلية من أكاديمية الفنون الجميلة في بغداد عام 1987، وعلى دبلوم في التصميم الجرافيكي من كونستاتين هيغنز بهولندا عام 2000. ونظم العديد من المعارض الفردية والجماعية في مختلف بلدان العالم.

