ماذا لو أن السلطان شهريار لم تعجبه حكايات شهرزاد، وقرر أن يلحقها بركب النساء اللواتي قادهن إلى مذبح الموت؟ سؤال قد يتبادر إليك كلما استمعت سمفونية «شهرزاد» التي ورثنا إياها الموسيقار الروسي نيكولاي ريمسكي كورساكوف (1844 - 1908)، تلك السمفونية الرائعة التي أعدها بذكاء، لتصبح علامة يهتدي كل من يسمعها لحكايات «ألف ليلة وليلة».

ايقاعات «شهرزاد» تشبه في عمقها وتوترها حكايات شهرزاد التي أسرت السلطان بعد أن نسجتها بخيالها لألف ليلة وليلة، وفيها يحمل كورساكوف عشاق الموسيقى على بساط الريح نحو عوالم الخيال والأساطير، تلك التي عبر عنها بأوتار آلة الفيولينه التي حملت نكهة شرقية، ففاضت السمفونية المستوحاة من حكايات ألف ليلة وليلة، بسحر الشرق وغموضه الذي ينبع من قصص «البحر وسفينة السندباد»، و«الأمير كالندار» و«الأمير الشاب والأميرة»، و«الاحتفالات في بغداد»، حيث شكلت القصص الأربع قاعدة السمفونية التي سرعان ما تحولت إلى موسيقى راقصة، تمايلت عليها فراشات الباليه برقصات من تصميم ميخائيل فوكين، الذي أخرجها بقالب من الألوان الوردية.

سمفونية «شهرزاد» قدر لها أن تعيش طويلاً، تماماً كما شهرزاد التي قاومت السلطان، وفيها نضجت تجربة كورساكوف الفنية، فمثلت قمة إبداعه على صعيد اللحن ومحاكاة القصة والحوارات والأحداث، ومساجلات الآلات الموسيقية التي تحمل المستمع نحو غموض سحر الشرق. على مدار عقود ظلت سمفونية «شهرزاد» بمثابة كتاب مفتوح، يحمل بين سطوره تعابير تلامس الوجدان، تشبه في تفاصيلها أوتار الكمان التي اجتهد كورساكوف في «انسنتها» عبر جمل لحنية غير تقليدية.