تتصدر مصر أخبار الفن في باريس حيث يستقبل مركز «بومبيدو» معرضاً فريداً وتاريخياً بعنوان «جماعة الفن والحرية: الانشقاق، الحرب، والسريالية في مصر (1938 - 1948)» تحت إشراف الباحثين والأكاديميين والقيّمين سام بردويل وتيل فيلراث.
المعرض الذي احتاج ست سنوات من البحث المتواصل والتنقيب عن تفاصيل حياة وفن وسياسة هذه الجماعة وأعمالها الأدبية والتشكيلية والفوتوغرافية، هو الأول من نوعه في العالم منذ اندثرت هذه الجماعة في العام 1948، وهي التي ولدت في العام 1938 من رحم القاهرة والإسكندرية اللتين مثلتا جوهر الكوزموبوليتية في زمن الحرب والاحتلال البريطاني.
ويخلص المعرض إلى أن «الفن والحرية» التي كانت مركزاً عالمياً وريادياً للمذهب السريالي بفنه وأدبه وشعره، ومركزاً متحاوراً مع نيويورك وموسكو ومكسيكو وطوكيو وباريس، تعرّضت لتشويه تاريخي في بلدها الأم.
إقصاء فني
فخلال ذروة أيام القومية والوحدة العربية في مصر، وضعهم مؤرخو الفن في مصر في أقصى أطراف التعريفات من خلال وصفهم إما بالـ«مقلدين وأتباع الفكر الأوروبي»أو بالـ«مؤيّدين الأصيلين للهوية المصرية»، كما يوثّق المعرض الذي يحاول إعادة الاعتبار لهؤلاء الفنانين الذين ظلمهم التاريخ المصري السياسي والفني.
وتفيد معلومات القيّمين بأن هؤلاء الفنانين كانوا محفزين فعّالين ساهموا في تطوير وتوسيع المقومات الشكلية للسريالية آنذاك، في حين اعتُبروا في الحقبة القومية مجرد ضحايا لمركزية غربية مؤدية إلى التهميش.
لكنهم بحسب لوحاتهم وكتاباتهم المعروضة في مركز بومبيدو، والذي يبدو أنه الانفتاح على الثقافة العربية والأفريقية والاعتراف بها، ارتبطوا بواقعهم بشدّة وأرادوا تغييره لذا انتقدوه في كتاباتهم ولوحاتهم، لصالح الحرية السياسية والفكرية والفنية والجندرية.
ويأتي معرض باريس النادر والأكاديمي والبحثي والموثّق والمتسلسل والمقسم فنياً بشكل لافت وواضح مرفق بكتالوغ يعتبر وثيقة عن جماعة الفن والحرية، بعد معرض هزيل أقيم في القاهرة بعنوان «حين يصبح الفن حرية: السرياليون المصريون بين 1938 و1965» انتقده النقاد والمؤرخون نظراً لعشوائيته وفوضويته.
أزمنة القلق
نشأت على يد جيل مشكل بمعظمه من الشباب القاهريين من فنانين وكتاب وناشطين كانوا منهمكين في بلورة رؤية خاصة للعلاقة ما بين الفن والتزامات المشاركة الاجتماعية وانحيازهم ضد أي شكل من أنواع الكبت والحرب والقتل والاستعمار.
ورفضوا كل ما شعروا أنه مستورد أكاديمياً بتصديق الدعاية السياسية التابعة للسلطات المتعاقبة وتمرّدوا على أخلاقيات الطبقة البرجوازية المحافظة التي مارست الفن من أجل الفن لا غير.
عندما ظهرت هذه الحركة التي كان قائدها الكاتب والرسام والتشكيلي جورج حنين وهو بالمناسبة منظّر السريالية الفرنسي أندريه بروتون، كان المشروع القومي السائد يستولي بشكل واعٍ على الماضي من طريق نشر تاريخ موحّد مبني على أساس تراث الفن الفرعوني.
وتماشياً مع رفض السريالية لمواءمة الفن مع الدعاية السياسية، ثار تيار الفن والحرية على دمج الفن بالشعور القومي و«الفن للفن»، وهي قضايا تمثّلت بكلية الفنون الجميلة في القاهرة وجمعية محبي الفنون الجميلة المنافسة لـ«الفن والحرية».
في زمن جماعة الفن والحرية، عُرفت القاهرة بتفاوتات اقتصادية حادة، مما مهد لثورة سريالية عكست بشكل مؤثّر الظلم الاقتصادي الذي أصاب مجتمعها.
حول العالم
جماعة الفن والحرية كان لها وقع مكثّف وابتكار فريد، يفرض على تاريخ الفن الاعتراف بها وتقديرها وإعادة اكتشافها، كما اكتشفها مركز بومبيدو للفن الحديث، وستكتشفها مدريد في متحف رينا صوفيا من 14 فبراير إلى 11 يونيو، ومتحف دوسلدورف (ألمانيا) من 15 يوليو إلى 15 أكتوبر، ومتحف التايت في ليفربول (بريطانيا) من 13 نوفمبر 2017 إلى 4 مارس 2018.
