«إذا لم تؤرجحك الموسيقى فهي ليست موسيقى»، ذلك ما قاله يوماً عبقري الجاز ديوك الينغتون، لينطبق حرفياً على مقطوعة «الفصول الأربعة» للإيطالي انطونيو فيفالدي، تلك التي ما إن تسمعها حتى تدق الأرض بقدميك، وتقع في «غرام» الموسيقى الكلاسيكية، لما تتمتع به من انسياب وعذوبة في ايقاعاتها التي وظف فيها فيفالدي كل أحاسيسه، فتراوحت موسيقاها بين السرعة والبطء لتعبر عن ثلوج الشتاء وعواصفها وأزهار الربيع المتفتحة، وعودة الطيور بأغانيها البهيجة، وحرارة الشمس اللاذعة، ورائحة الصنوبر، واحتفال المزارعين بحصاد مواسمهم في الخريف.

المقطوعة لوحة موسيقية، تشبه إلى حد كبير لوحات الرسام ماركو ريتشي عن الفصول الأربعة، التي استلهم منها فيفالدي قصائده الأربع القصيرة والتي كتبها خصيصاً لهذه المقطوعة، التي مكنته من تغيير وجه الموسيقى ومسارها التاريخي، ولتجسيد ذلك استخدم فيفالدي 12 حركة كونشيرتو للكمان، وهي التي منحته قدرة التعبير عن أمزجة الفصول الأربعة وتقلباتها، ووصف مشاهدها من دون كلمات محكية، فجاءت الفصول الأربعة دليل على قوة الموسيقى الوصفية.

لا تزال «الفصول الأربعة» حاضرة بقوة على المسارح العالمية، رغم مرور مئات السنين على ظهورها الأول، حيث كتبها فيفالدي في 1720، فيها حاكى نهج الطبيعة وقوانينها، وعمل من خلالها على ترجمة مشاعر الفرح والحزن، فكانت المقطوعة بكل فواصلها عبارة عن سلسلة وجدانية، تتقلب مشاعرها بتقلبات الحياة، فالصيف يفيض حباً، يعقبه الخريف كمقدمة لشتاء قارص، يعصف بالأزهار وتمحو أمطاره الآثار التي خلفها العشاق على مقاعدهم، فيأتي الربيع ليزهر الحب مرة أخرى.