لطالما اختلفت معايير النجاح بين ثقافة وأخرى وزمن وآخر، ففي وطننا العربي ارتبطت معاييره في الخمسين عاماً الأخيرة من القرن الماضي بنوعية الدراسة. فكانت معايير قمة النجاح لمن امتهن الطب والصيدلة والهندسة، ومع انفتاح العولمة والتجارة، توجه الغالبية إلى دراسة المال والأعمال. وبعد انتشار التقنيات الرقمية التي أصبح الشريان الحيوي في الشركات وكل بيت، توجه الغالبية إلى دراسة علوم الحاسب الآلي والبرمجة.
لكن هذه النظريات والقناعات والدراسات، واجهت تحديات من الأجيال الجديدة التي أثبتت أن شغف الإنسان وحبه لهواية ما، كفيل بارتقائه سلم النجاح معنوياً ومادياً. وساهمت قنوات التواصل الاجتماعي في تعزيزه وتحقيق شهرته في زمن قياسي. ونطرح مثالاً على ذلك تجربة ثلاثة من الشباب الخليجيين الذين يجسدون المعايير الجديدة. والعامل المشترك فيما بينهم اختيار الطهي الذي كان شغفهم منذ الطفولة، ليتخلوا عن مهنتهم في عالم المال والأرقام والعلوم، ويستبدلوها بعشقهم الذي فتح لهم أبواب النجاح والسعادة في الوقت نفسه.
والمغامرون الثلاثة الذين التقتهم «البيان» على هامش فعاليات الدورة الثانية من «قمة رواد التواصل الاجتماعي العرب» التي نظمها نادي دبي للصحافة الشهر الماضي هم: البحرينية رؤيا صالح التي عملت في المصارف لأكثر من 20 عاماً، والكويتي حسين العلي الحاصل على بكالوريوس في المحاسبة وماجستير في التمويل، والإماراتي ناصر فيصل الذي درس علم الجينات الوراثية.
أرقام ونكهات
في البداية تحدث كل منهم عن شغفه بالطهي والنقلة النوعية بين عالميّ الأرقام والنكهات. تقول رؤيا التي تمتلك حالياً سلسلة من المطاعم الناجحة في البحرين: «عملت في القطاع المصرفي 20 عاماً، ولم أنس شغفي بالطهي الذي بدأ منذ كان عمري ست سنوات، إذ نشأت في بيئة مزارع وكنا نطهي ما نحصده ونجنيه في الصباح. وعليه أدركت الفارق بين الخضرة الطازجة وغيرها التي تعتبر الأساس في الطهي». ويُذكر أن عدد متابعي رؤيا على المواقع يتجاوز 150 ألف متابع.
عصامي كوميدي
ويحكي الشيف حسين العلي الشهير على قنوات التواصل بلقب «concept 15» والذي يصل عدد متابعيه إلى ما يقارب من 250 ألفاً، عن تجربته قائلاً: «عشقت الطهي منذ الصغر. وطورت نفسي باستمرار حتى استطعت تأسيس مطبخ للطلبات في بيتي، ومنه كانت انطلاقتي. أما شعبيتي وشهرتي على مواقع التواصل الاجتماعي فمبنية على شخصيتي الكوميدية، وتتمحور حول تجربتي من»0 إلى هيرو«أي من الصفر إلى بطل كمبدأ الإنسان العصامي».
وصفات والدتي
أما الشيف فيصل ناصر البالغ عدد متابعيه 70 ألفاً، فيحكي عن نقلته النوعية قائلاً: «دفعتني دراستي في الغربة إلى الطهي بنفسي، وبدأت بوصفات والدتي، التي لاقت جماهيرية بين ربعي في السكن. وانتقلت بعدها إلى المشاركة في دورات وعمل جزئي في المطاعم لصقل تجربتي. أما دراستي فساعدتني على انتقاء كتب علمية مرتبطة بالطهي وبالتالي تقديم معايير وصفات دقيقة لا مجال لفشلها، مثل وصفة»اللقيمات«التي نشرتها مجلة»بي بي سي الشرق الأوسط«.
الجراح والشيف
تقول الطبيبة الجراحة الكندية كارين ديفون من جامعة تورنتو في مقالة لها:»ما لا يدركه الكثيرون أوجه الشبه بين الجراح والشيف، من بدايتهما المتواضعة حينما كان الطاهي عبداً والجراح حلاقاً، ودفع كلاهما للعمل والابتكار بالترغيب أو الترهيب، واستقطابهما للمشاهير«.


