قصة عشقٍ تروي أحداثها على وقع الموسيقى، تعزف نفسها كمقطوعة منفردة، يتألق فيها سحر الشرق بتفاصيله الممزوجة بالشجن، ليكون النتاج روائع صوتية تلامس شغاف القلوب، هذا هو سحر الموسيقى المنبعثة من آلة القانون، ذلك الصندوق الصوتي الذي يختزل المقامات كلها بين أوتاره، مساحاته الصوتية جعلته دستور الآلات العربية، ومداه الصوتي الواسع منحه شرف أن يسمى بسلطان الآلات.
في الأوركسترا العربية، يتمركز في الوسط بلا منافس، ويتربع في قلوب الموسيقيين دائماً، كما يتربع وسط الآلات الشرقية.
«البيان» التقت الموسيقي وعازف القانون فرات قدوري، مدير مركز فرات قدوري لتعليم الموسيقى، ليروي حكاية عشقه التي عزفها على أوتار القانون، ورواها بنغمات زادت شغفه بهذه الآلة التي استرجع تاريخها معنا في السطور التالية.
عن القانون قال قدوري: لو عدنا إلى التاريخ، سنجد آراءً متباينة حول أصل القانون، ولكن المؤكد منها اكتشاف الدكتور صبحي أنور رشيد العلامة في الآثار الموسيقية، أن أصل القانون يعود إلى آلة مستطيلة الشكل، سميت في العصر العباسي بالنزهة، وهذه الآلة جاءت منقوشة على علبةٍ من عاج الفيل، عثر عليها في العاصمة الأشورية نمرود، التي تبعد 35 كيلومتراً عن الموصل، من هنا بدأ القانون ينتشر في العصر الآشوري في القرن التاسع قبل الميلاد.
أساطير
ولفت قدوري إلى انتشار أساطير كثيرة حول آلة القانون، وحول الشكل شبه المنحرف الذي اتخذته هذه الآلة فيما بعد، ومنها أن الفارابي هو من أبدع هذا الشكل، وأنه عزف على القانون حتى نام الملك، كما ذكر أن القانون ورد في كتاب «ألف ليلة وليلة»، ولكن لم تثبت صحة هذه القصص وغيرها.
وأشار قدوري إلى أن القانون يتوسط الآلات الشرقية، ويتربع وسط الأوركسترا العربية، وقال: سميت هذه الآلة بالقانون كونها دستور الآلات العربية، ومساحاتها الصوتية تؤهلها لأن تكون دستوراً لباقي الآلات، ومداها الصوتي الواسع يتيح لها أن تعزف جميع المقامات، ولكلمة القانون لدى الإغريق معنى آخر، فهي لديهم آلة مستطيلة الشكل لقياس نسب الأصوات.
تفرد
وذكر قدوري أن القانون انتشر في القرن التاسع الميلادي، وانتقل في القرن الحادي عشر إلى آسيا وأوروبا وإيران واليابان، حتى وصل لدول الاتحاد السوفييتي، ولكن ظهور البيانو في القرن السابع عشر، سحب البساط من تحت قدميه بعض الشيء، وزاد إحجام الغرب عنه، متجهين إلى البيانو، لكنه بقي لدى العرب مسيطراً ومتفرداً.
ويُصنع القانون من الخشب، وهناك أنواع فاخرة يتم صنعها منه كخشب السيسم والجوز والأبانوس، وهذا يؤثر بشكل مباشر على صوت الموسيقى التي تنبعث من بين ثناياه، كما يضفي جلد السمك صوتاً ساحراً للصندوق الصوتي.
استياء
وعبر قدوري عن استيائه من الحال الذي وصل إليه القانون اليوم، وقال: للأسف، في مصر والعراق وسوريا والبلدان العربية اقتصر القانون على كونه آلة تابعة للمطرب، ولم يعد له ظهور في العزف المنفرد، وهذا ظلم كبير له.
وبرأيي أن العقلية العربية التي تتحيز للغناء هي السبب، إذ لم تتعود الذائقة العربية على الاستماع للقانون لمدة ساعة متواصلة، وهذا ما دفعني لمزج القانون مع الموسيقى الغربية، والإيقاعات اللاتينية، لتدهش المتلقي الذي أحب هذا التمازج الجميل، فعاد مرة أخرى إلى القانون.
وأضاف: يحزنني أن القانون كآلة عربية انتشرت من خلال الأتراك أكثر ما انتشرت من خلال العرب، والسبب يعود لافتقار العربي للذائقة الموسيقية، والطامة الأكبر تتمثل في أن جميع الطلبة الجدد للقانون، اتجهوا للأسلوب التركي في العزف ما تسبب في اندثار الأسلوب العربي في عزف القانون.
مستقبل مخيف
ذكر قدوري أن مستقبل القانون مخيف، فهو آلة مجاهدة تحاول الصمود في الوطن العربي الذي احتضن غيره من الآلات رغم أصالته وعراقته. وعن أشهر عازفي القانون، قال: هناك أسماء بارزة برعت في العزف على القانون، منها في مصر، أحمد فؤاد حسن ومحمد عبدو صالح ومن الجيل الجديد ماجد سرور، وفي العراق سالم حسين وحسن الشكرجي وحسن فالح، وغيرهم.
