نعلم جميعاً أن الإنسان الوثني القديم في جزيرة العرب والحضارات الأخرى، قبل بزوغ الإسلام، عبد الأصنام والتماثيل، التي كان يصنعها من الأخشاب والأحجار الثمينة والمعادن وغيرها، وعلى هيئة الكائنات بمختلف أشكالها وصورها، من أشجار وماعز وأبقار وبشر. كما نعلم أن تلك التماثيل بأسمائها ورموزها المتنوعة كانت مكرسة للأضاحي والنذور في المعابد الخاصة بها، التي شيدها الإنسان القديم، والتي كان يتقرب من خلالها إلى الخالق تشفعا وتوسلاً بحسب اعتقاده، وأنه كان يعتقد بأن لها دوراً كبيراً في التأثير بحياته.
تشابه الأدوار
وقد دلني البحث والتقصّي في أصول تلك العقائد ودلالات تلك الأوثان التي كانوا يعبدونها، إلى أنها جميعاً وبلا استثناء، لم تكن وليدة الصدفة والخيال، ومع تعمُّقي في البحث في جغرافيات بعيدة خارج جزيرة العرب، انتابتني الدهشة من التشابه بين أدوار تماثيل في جزيرة العرب وتقابلها مع الدور ذاته لتماثيل الرومان والإغريق ومصر وبلاد الرافدين.
تأمل
وإن مما يؤكد لنا ذلك أن الإنسان القديم في جزيرة العرب، تحقق بصريا من مجمل الكواكب والأجرام السماوية بعينه المجردة، وبمشاهداته المستمرة لمصابيح شديدة اللمعان متناغمة في الأفق، فراح مع الوقت يتناول دور كل منها على حدة، اذ قصد إلى رصد تلك الأفلاك، مراقباً حركات الكون على المدى البعيد ليلاً ونهاراً، حتى أصبح الأمر من أهم اهتماماته، اذ اعتنى بخبر كل تلك الكواكب وأدوارها، وأثناء كل ذلك ظل متأملا سقف سماواته على مدار نهاره وليله، وقد أنِسَ للشمس من حممها وفَطِنَ من خلال ذلك لما للنجم من أسرار وبواطن، الأمر الذي قاده الى الاعتقاد بتأثيراتها المباشرة عليه جسداً وذهناً، فضلاً عن تأثيراتها على الطبيعة من حوله، ما أسس لديه قناعة بقدراتها المطلقة وفق إدراكه آنذاك.
قرابين
ليس ثمة ما يشير بدقة الى العصر الذي بدأ فيه الإنسان عبادة الكواكب في جزيرة العرب، لكن الأكيد الذي وقفت عليه من خلال البحث أن ثمة معابد كانت مكرّسة لعبادة الأوثان التي كانت ترمز إلى ما كانوا يعبدون، وتقديم الأضاحي والقرابين. وتمثلت تلك المعبودات أيام الوثنية، بأصنام نُحتت لترمز لكل كوكب على حدة، بعد أن اكتملت قناعات الناس حينذاك، بتأثيرها عليهم وعلى مجريات حياتهم، وكل ما يتعلق بأفكارهم وأمزجتهم وصحتهم ومصائرهم على وجه العموم. وأهم هذه الكواكب: الشمس والقمر. لتعود تماثيلهم في أصلها الأول ودلالاتها إلى الكواكب السماوية حسب ما لكل منها من تأثيرات في الطبيعة والإنسان والحيوان، حيث إن تقديس الشمس والقمر معاً كان هاجساً مشتركاً لدى الإنسان القديم في كل العالم، بوصفهما كوكبين رئيسيين من بين الكواكب الأخرى، فلولا الشمس - كما توصل الانسان القديم - لماتت الكائنات الحية كلها، وحلت الأمراض وتوقف النمو، واختفت الحياة، الأمر الذي جعله يعتقد أن مصيره مرهون في بقائهما متقدين ملتهبين لا انطفاء لما يبعثانه من نور وضوء، وقد حظي القمر باعتقادات كثيرة من قبل هذا الإنسان الوثني، الذي نسب إليه التأثير على التنبؤ والزرع والرزق والشجن والجسد والنفس.
رموز
نُحتت الأحجار الثمينة والمعادن والأخشاب والذهب والفضة، كتماثيل بهيئة إناث أو ذكور ترمز لكواكب الفضاء، كالشمس والقمر والأجرام السماوية الأخرى، ونُسِبَ لكل تمثال دور كدور الكوكب الذي يمثله في السماء، وقد تباينت أسماء الكواكب بين الحضارات والبلدان واللغات، واختلفت أيضاً أسماء التماثيل المنحوتة والرامزة إلى تلك الكواكب من حضارة إلى أخرى ومن بلد إلى بلد ومن لغة إلى لغة.. لكن دور التمثال بقي هو ذاته، من الشرق إلى الغرب.
تقابل
أستعرض هنا ذلك التقابل فيما بين بعض التماثيل، حسب المعطيات والمصادر مما قرأت، التي توغلت بالبحث فيها، ولقد كان من أهمها «المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام» للدكتور جواد علي في جزأيه الثامن والسادس، فضلا عن تعريجنا على البحث في مدونات موضوعات المجموعة الشمسية وبوابتها من خلال كل كوكب على حدة، وغيرها من قراءات النظم الشمسية وقوائم طويلة لأوثان الحضارات السابقة.
إن العرب في الحجاز وجزيرة العرب كلها أولت أهمية دينية كبرى للمريخ ونجم سهيل وكوكب الشعرى وعطارد والأسد وزحل، لكن تبقى من أصنامها الشهيرة الصنم الأنثى «مناة» وهي أهم معبوداتهم في الوثنية، في مكة والبادية وثمود وغيرها، وقد ورد ذكرها في القرآن الكريم مع «العزى» التي هي أم مناة وأختها «اللات»، واللواتي كانت العرب في الجاهلية تعتقد أنهن المغيثات.
وكما كان يعتقد قبل الإسلام، فإن «مناة» كانت تعنى بالأقدار والحظ والمصير، من الولادة إلى الموت، وهي في التأصيل اللغوي من «المنايا»، فاشتقت مناة الأنثى من الاسم المذكر مَنَّان، أي المفضال والمنعام كما في قاموس المعاني.. وهذا دور كوكب المشتري إن تتبعناه أثناء حركته الثقيلة واستقامته الكاملة، فهو، وكما يقول أهل علم النجوم يغير الكثير أثناء مسيرته في الفضاء، لذا اتخذه الرومان إلهاً بعد أن آمنوا به وأطلقوا عليه اسم جوبيتر الذي خصّوه بالقدر، لقيامه بالدور نفسه، وهو ذاته يدعى عند الاغريق زيوس المسؤول عن الصاعقة والرعد وتغيير قوى الطبيعة «كبير الأوثان» لديهم، ناهيك عن خلق الأساطير والقصص حول هذا الكوكب، وتقديم الأضاحي والنذور له، اعتقاداً بزيادة العمر ومنع الموت.
اللات والعزى
إن ذهبنا إلى «اللات» الملقبة بالزهرة السماوية أو كوكب الصباح، فقد كانت عبارة عن صخرة مربعة بيضاء وملساء منقوشة بنقوش جميلة لدى بني ثقيف، كما ورد في «المفصل في تاريخ قبل الإسلام» للدكتور جواد علي.. بني فوقها بيت فخم مكعب الشكل أخذ العرب يعظمونه. وكان يُعد معظماً ومقدساً في نظرهم قبل الاسلام. «اللات» وأختها «العزى» كانتا تُعنيان بالخصوبة والزواج والصلح، وهما في أصل مرجعيتهما تعودان إلى كوكب الزهرة أسخن الكواكب الشمسية، فكوكب الزهرة حرارته، بين الساخنة والدافئة، وله التأثيرات ذاتها التي نُسِبت إلى اللات والعزى. لذا ذبحت العرب في الجاهلية، الكثير من الأضاحي أمامهما كي تحميهما من بؤس الحياة وكآبتها، لاعتقادهما بأنهما لا تخذلانهما. وحسب ما أشرت إليه، فقد حظي القمر من بين الأجرام السماوية بالاهتمام الحسي الأكبر، فقد كان حاضراً في الشعر الجاهلي كدال على الجمال والحب، لكنه آنذاك كان صنماً ذكراً بحسب معتقداتهم، وهكذا وبلا نهاية من العد فإن الأصل في أوثانهم هو تقديس الكواكب، وإن أسماء التماثيل المجسدة للكواكب، مهما كثرت أو تعددت، يبقى بينها كوكب الشمس هو الأم كونه أنثى، فيما اكتسب القمر صفة الأبوة بوصفه ذكراً، والزهرة أي عثتر هو الابن كما ورد.. كما جاء في كتاب جواد علي «المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام».
4
العرب في الجاهلية عبدت الحجارة الرامزة إلى الكواكب، وكانت تختار الحجر قبل النحت من أربعة أنواع لا غيرها، كون بعض الحجارة يمثل جهات الكون: الشمال والجنوب والشرق والغرب، ولأنها أيضًا، تمثل عناصر الكون: النار والماء والهواء والتراب. وهذا ما حكم طبيعة اختيارها للحجارة الخاصة بصنع تماثيلها.
360
جمعت العرب في قريش، شتى أصنامها، أيام وثنيتها، في مكان واحد، مدللة بعددها على أيام السنة، ولكل منها تأثير ودور متمايز. وعلى رأسها الصنم هبل الذي كانت لديه طقوس عديدة، لأنه رمز لكوكب القمر، الأهم لديهم. وهناك أصنام أخرى ترمز إلى الكواكب، منها: ود وسواع ويغوث ويعوق ونسر.
«مناة» في الحجاز وثمود
العرب في الحجاز وجزيرة العرب، أيام الوثنية، قدسوا المريخ ونجم سهيل وكوكب الشعرى وعطارد والأسد وزحل، لكن تبقى من وثنياتهم الشهيرة الصنم الأنثى «مناة»، وهي التي كانت الأهم عند العرب، قبل الإسلام، في مكة والبادية وثمود.. وغيرها، وورد ذكرها في القرآن الكريم مع «العزى» التي هي أم مناة وأختها «اللات». وكانت مناة لها مكانتها لدى الأوس والخزرج وخزاعة إلى درجة تهليلها وتعظيمها وتقديسها أثناء طقوس عبادتها في الوثنية، بل وكانوا يحلفون بها ويقفون عندها.
«بعل» كوكب الشمس «ذات الحمم»
إن اتجهنا صوب «بعل» فقد كان منتشراً بالاسم ذاته في كل الحضارات الوثنية السابقة، وهو كوكب الشمس الذي كان مذكراً عند العرب والمعروف لدى جزيرة العرب باسمه «ذات الحمم»، أو المالك والصاحب، متقلداً صفة العدالة والحق والخير لدى الشعوب الوثنية كلها.. و«هبل» التمثال الكبير لدى قريش، صاحب النسك الخاصة للعمل والسفر والنكاح، حيث كانت تجري طقوس خاصة أمامه بعد عقد الزواج، هو ذاته القمر المنير للدروب كما كان يعتقد، وقد لبى العرب نسك هبل المختلفة.
«عثتر» الزهرة كوكب الحرب
كان كوكب الزهرة يسمى عند العرب «عثتر»، والذي يرمز في معتقدهم، آنذاك، إلى القتل والحرب ضمن أدواره الأخرى.. وعثتر يشابه في صفاته أيضاً كوكب المريخ الذي يجاور الأرض، فأطلقت عليه العرب المريخ لأنه أمرخ الشكل، أي فيه بقع حمراء تشير في دلالتها الى القتل والدم، وقد نصبت لهذا الكوكب تمثالاً يرمز له، مثل غيره من الكواكب التي قدسوها خلال وثنيتهم، بعد أن رأوها بالعين المجردة.
ــ أولت العرب في الجاهلية المريخ ونجم سهيل والشعرى وعطارد وزحل الكثير من الأهمية
ــ «اللات» صخرة مربعة بيضاء ملساء مليئة بالنقوش
ــ اللات والعزى وأمهما مناة اعتقد القدماء بأنها تغيثهم في أمور الحياة
ــ الكواكب السيّارة كان يعتقد بتأثيرها على المزاج والمصير والزرع والسفر



