دون سابق إنذار تزخ السماء رذاذها، فيهرع العابرون في الدروب تحت مظلاتهم ومعاطفهم السميكة دون اكتراث، تلك هي لندن، تفاجئك بمطرها دون سابق موعد، وتفاجئك أكثر بفنونها المختزنة العديدة كالمتاحف والمسارح ودور السينما والغاليريهات التي تعد جزءاً من روحها، وبصمة لهوية ثقافية عريقة تنبض شرايينها في المدينة كشرايين مترو أنفاقها النابضة تحت الأرض.
في محطة بيكر ستريت نزلنا وكانت وجهتنا متحف مدام توسو، حيث يقع على بعد عشرات الأمتار قبالتها، أمام أبوابه تصطف الطوابير لرؤية إبداعات الشمع وتجربة رحلة عبر العصور من خلال التماثيل ومغامرات أخرى كثيرة يقدمها المتحف اللندني العريق.

مشاهير ونجوم
تأخذك المغامرة إلى قلب الفن، فتماثيل الشمع المتراصة والحية، من خلال صناعتها المتقنة، تجذب الملايين من الزوار عبر العالم، ترطن بجنبك مختلف اللغات، وتومض العدسات لتوثيق الرحلة الفنية والتصوير إلى جانب المشاهير وهم يقفون في قوالب وبكامل أناقتهم، حتى لا تكاد تميز بينها وبين الحقيقة، يستقبلك مدخل المتحف بتماثيل منوعة، أغلبها لنجوم أحياء من أساطير السينما والمجتمع؛ يجلس جورج كلوني باسترخاء على أريكته البنفسجية.
ويستهوي هذا التمثال النساء خاصة، يهرعن لالتقاط الصور، وإلى جانبه يقف الممثل مورغان فريمان، والمغني الشاب جاستين بيبر، فيما يقف الثنائي كيم كارديشيان وكاني ويست في وضعية التقاط سيلفي أبدع نحات التمثالين في تصميمها، مفسحاً المجال لخيال الجمهور في الوقوف وفق ذلك التصور لخروج الصورة وكأنها حقيقية.
وعلى بعد خطوات في وسط الردهة توم كروز وكولين فارث وعلى منصة بارزة يقف أحد أفضل التماثيل المحبوبة أيضاً وهو تمثال براد بيت وإلى جواره الممثل روبيرت باتينسون يفصل بينه وبين تمثال طليقته أنجلينا جولي وهي خطوة قام بها المتحف أخيراً بعد طلاق النجمين.
فيما يقف النجم الرياضي دايفيد بيكهام إلى جانب زوجته، وفي جواره تماثيل النجمتين نيكول كيدمان وجوليا روبيرتس وبينيديكت كامبرباتش وليوناردو ديكابيريو. وفي القاعة ذاتها ركن خاص بنجوم بوليوود؛ كآميتباشان وايشواريا راي وسلمان خان وشاروخان وكاترين كيف.
في نهاية القاعة الرئيسية تهبط بك مدرجات إلى قاعة أخرى تضم نماذج من جوائز الأوسكار إضافة إلى اكسسوارات وقطع من أشهر ملابس وأحذية وحقائب النجوم وعارضات منصات الأزياء العالمية.
بعدها تقودك السلالم إلى عالم الفن السابع والأفلام الأولى لألفريد هيتشكوك وسحره السينمائي، وبعد ذلك قاعة تضم أشهر نجوم السينما في الماضي كمارلين مونرو وتشارلي شابلن، وبعض تماثيل شخصيات الأفلام الأسطورية وبعض المخرجين مثل ستيفن ستيلبرغ.

ثقافة وفن
في وسط القاعة الثانية يقف تمثال مؤسسة المتحف مدام توسو (1761 - 1850م)، ويجسدها وهي منهمكة في صناعة وجه، ويمر الكثير من الناس دون أن ينتبه لها، وقد تكون من أقل التماثيل التي تحظى بصور، إلا أن ذلك لا يقلل من شأنها فقد أفسحت تجربة فريدة من خلال هذا الصرح الذي كان في البداية مجرد معرض تقدم فيه هذه الفنانة الفرنسية إبداعاتها، وعرف ببازار شارع بيكر.
وقد تعلمت توسو هذا الفن في ستراسبورغ، وعرفت بموهبتها الفذة في النحت وصناعة تماثيل الشمع.
وفي الركن ذاته الذي يوجد فيه تمثال مدام توسو توجد تماثيل لكتاب وشعراء ورسامين وعلماء يتقدمهم وليام شكسبير وبيكاسو وأوسكار وايلد وفان جوخ، واسحاق نيوتن وأنشتاين الذي يقف إلى جانب سبورة يدرس الرياضيات.
ويفصل هذا الركن ردهة عريضة تبدأ بمدخل يضم أشهر نجوم الرياضة ومن أبرزهم الملاكم محمد علي كلاي وكريستيانو رونالدو والعداء يوسين بولت وغيرهم من أبطال الألعاب الأولمبية ويستقطب هذا الجناح جمهوراً عريضاً من الشباب والمراهقين، يلي ذلك قاعة تضم تاريخ العائلة الملكية البريطانية، وبعض فساتين الملكة إليزابيث الثانية واكسسوارات التاج البريطاني.

رموز وزعماء
وفي جانب آخر من الردهة، أشهر الفرق الموسيقية وبعض المغنين كأديل وبوب مارلي، وبعد ذلك تطالع منصة لرموز السلام كالمناضل نيلسون مانديلا ومارتن لوثر كينغ وخلف هذه المنصة تتوزع تماثيل لزعماء سياسيين، حيث يقف باراك أوباما إلى جانب طاولة مكتبه في البيت الأبيض ويستهوي هذا التمثال الأطفال.
حيث يجلسون على المكتب ويتحدثون في الهاتف بينما يقف أوباما إلى جانبهم، كما يعكف المتحف حالياً على صناعة تمثال جديد لدونالد ترامب، وفي قبالة أوباما تمثال تشيرشل وعن يمينه رئيس الوزراء الهندي مودي وميركل وهولاندا ومنصة تجذب الناس أيضاً وهي المنصة التي يطل منها أسبوعياً بيان الحكومة البريطانية، حيث يقفون خلفها للتصوير.
وفي الطرف الثاني الزعيم الهندي غاندي وبينيديت السادس عشر وآخرون. وكأن الناس تخشى من الموت قلة هم من يصورون مع شخصيات ككندي وبنازير بوتو، وقد يصور بعضهم على استحياء مع الراحلة ديانا.
رحلة عبر الزمن
ويتيح متحف توسو لزواره تجربة مراحل مختلفة من التاريخ البريطاني، مثل تجربة مغامرة شارلوك هولمز، وهي شخصية خيالية لمحقق في أواخر القرن التاسع عشر، وفي هذه المحطة تقود الرحلة الزوار إلى عوالم مختلفة بدءاً من مجتمع الخرافة، إلى بداية التجريب والعلم، تتبعها جولة تعرف بتاريخ العلوم وكذلك فنيات صناعة الشمع وتطور هذه الحرفة، ليتعرف الزائرون على مسار التطور الذي قادت من خلاله بريطانيا الثورة الصناعية في بداياتها.
من خلال عربات تقودك في عمق هذه الرحلة، التي ترى خلالها تسلسلاً للتاريخ في كل حقبه وأبرز المحطات التي قادت إلى التطور العلمي الحديث، تتبعها رحلة افتراضية للمستقبل مِن خلال عرض ثلاثي الأبعاد يقدم تصوراً عن الغد المنظور، مع جولة في رحاب تماثيل أبرز شخصيات سلسلة أفلام حرب النجوم، وعرض حصري لنسخته الأخيرة.
