لم تبتعد عروض اليوم الثاني من مهرجان دبلن للفيلم العربي، عن أوضاع المنطقة العربية، ففي الوقت الذي قدمت فيه المخرجة إلين مارتينيز صورة عن حياة نحو 80 ألف لاجئ سوري يتخذون من مخيم الزعتري بيتاً لهم عبر فيلمها «بعد الربيع»، حاول المخرج محمد بن عطية أن يقدم نموذجاً آخر للثورة التونسية التي عرفت باسم «ثورة الياسمين»، لتضيء قصص الفيلمين جانباً مهماً من واقع المجتمعات العربية.
ظروف صعبة
البداية كانت مع وثائقي الين مارتينيز في فيلم «بعد الربيع» (After Spring)، الذي يدور حول عائلتين تعيشان في مخيم الزعتري بالاردن وسط مخاوف بشأن المستقبل، لتبين الين في الفيلم أن المخيم يتكون أصلاً من 58% من الأطفال، وترصد فيه الفيلم دور عمال الإغاثة والمساعدات التي تصل للمخيم والتعليم والصحة في ظل الظروف الصعبة التي يعيش فيها اللاجئون.
الأمر الذي ساعد المخرجة على تقديم صورة واضحة لطبيعة أوضاع سكان المخيم الصعبة، وبدا في الفيلم أن المخرجة استفادت كثيراً من الفترة التي عاشتها في الشرق الأوسط والتي امتدت لنحو 8 سنوات، قضت نصفها في شوارع دمشق.
في المقابل، جاءت أحداث الفيلم التونسي «نحبك هادي» للمخرج محمد بن عطية، مقنعة بقصة مستوحاة من واقع المجتمع التونسي، حول «هادي» (الممثل محمد مستورة) والذي يتمرد على محيطه المجتمعي بعد أن خضع لسنوات طويلة تحت سلطة والدته وأخيه وخطيبته، حيث يعلن هادي تمرده بعد أن يلتقي مع «ريم» خلال رحلة عمل، والتي تقلب حياته رأساً على عقب.
فيلم «نحبك هادي» الذي أعاد الألق للسينما التونسية في مهرجان برلين السينمائي بدورته الأخيرة، بدا مليئاً بالأفكار والمواضيع والاشارات، حيث يمكن قراءة الفيلم في مستويين، الأول انساني بحت، حيث يتعلق بشاب فاقد لإرادته، سرعان ما يتحول إلى شخص آخر بعد أن يمتلك حريته.
فيما الثاني سياسي، والذي يمكن تلمسه من خلال شخصية «ريم» التي حملت اشارات حول حالة الإحباط التي استبدت بالشباب التونسي بعد الثورة، نتيجة الخطابات المباشرة والمملة.
وبرغم ذلك لا يبدو ان المخرج بن عطية قد استسلم لكل ما يحدث، فعمل على تقديم فيلم «مراوغ» و«ذكي» في الوقت نفسه، من خلال تقديم نموذجين متناقضين تماماً، عرض من خلالهما صورة واضحة للمجتمع، ورغم ما يشي به عنوان الفيلم بأننا أمام قصة حب عاطفية، الا أن بن عطية فضل أن يتخذ من هذا الحب طريقاً لاستعراض حالة التمرد التي تستبد بـ «هادي».
جماليات بصرية
ورغم ما تمتع به «نحبك هادي» من بساطة، الا أنه بدا فيلماً صادقاً، يخلو من الحوارات الطويلة، مركزاً على الجماليات البصرية، وادارة الممثلين، ليذكرنا هذا العمل بسلاسته، بأفلام الأخوين داردين التي طالما تميزت بعمق الطرح.
فضلاً عن ذلك يمكن القول ان ممثلي الفيلم استطاعوا أن يتحملوا جانباً من مسؤوليتهم من خلال تقديم أداء بارع فيه، على رأسهم الممثل محمد مستوره الذي قدم اداءً رائعاً لشخصية الشاب مسلوب الإرادة، حيث كان واضحاً أنه اشتغل عليها واهتم بتفاصيلها كثيراً.
وذلك من خلال خطواته غير المتزنة، مروراً بنبرة صوته وارتباكاته، وحركات يديه، وصولاً إلى نظراته الشاردة، والأمر كذلك انسحب على أداء ريم بن مسعود، الذي جاء سلساً بعيداً عن التضخيم والتهويل.
