شيّعت مصر أمس جثمان النجم الكبير محمود عبد العزيز إلى مثواه الأخير، بعد أداء صلاة الجنازة عليه في مسجد الشرطة بالشيخ زايد، في مدينة 6 أكتوبر على أطراف العاصمة المصرية القاهرة.

وشهدت الجنازة التي نقلها التلفزيون المصري في بث مباشر، مشاركة الكثير من مشاهير عالم الفن في مصر والوطن العربي، كان من بينهم وزير الثقافة المصري حلمي النمنم، أحمد السقا كريم عبد العزيز، تامر حسني، محمد حماقي، عزت العلايلي، فاروق الفيشاوي.

كما شارك بالجنازة كل من السيناريست وحيد حامد وأحمد بدير ومحمد هنيدي والسوري جمال سليمان وفيفي عبده ودلال عبد العزيز وميرفت أمين ودنيا سمير غانم وآخرون.

وكان الراحل قد توفي بعد صراع مع المرض والأنيميا الحادة التي واجهته أخيراً، عن عمر تخطى 70 عاماً، قدم خلاله مشواراً طويلاً من النجاح والإبداع.

و«الساحر»، كما يلقبه جمهوره ومحبوه في الوطن العربي، بدأ مشواره العملي مع مطلع السبعينيات؛ حينما حصل على فرصته الأولى مع المخرج نور الدمرداش عبر بوابة مسلسل «الدوامة»، الذي كان كفيلاً بجذب الأنظار إليه، بعد الدور الصغير الذي قدمه في أحد أهم كلاسيكيات السينما المصرية فيلم «الحفيد» رفقة الفنان عبد المنعم مدبولي والفنانة كريمة مختار.

ومع مطلع العقد الثامن من القرن الماضي بدأت نوعية أدوار الساحر تختلف، وبدأ يدرك أهمية تقديم نوعية من الأعمال تنقل حال رجل الشارع المصري وهمومه وآلامه؛ فعرفه الجميع بـ«الشيخ حسني» و«رأفت الهجان» و«مزاجنجي» و«عبد الملك زرزور» و«محفوظ زلطة» و«أبو كرتونة» و«أبوهيبة»، وأسماء أخرى التحم وتعايش معها الجمهور وأعجب بها بعد إبداعه في تجسيد هذه الشخصيات وغيرها ممن قدمها في مشوار فني طويل.

تجسيد حي

والملاحظ لأغلبية الشخصيات التي قدمها الراحل أنها تمثل تجسيداً حياً لنماذج كثيرة من المجتمع المصري طوال السنوات الأخيرة؛ فهو من قدَّم الدكتور عادل في فيلم «العار» رفقة المبدعين الآخرين نور الشريف وحسين فهمي، مجسداً الصراع الداخلي الذي ينشب بين لحظة وضحاها داخل رجل عاش طوال عمره يتباهى بشرفه وحسن سلوكه وحرصه على اتباع الطريق القويم وفجأة يجد نفسه مجبراً على المشاركة في صفقة تجارة مخدرات حتى يحصل على ميراثه الذي يضمن له حياة كريمة تساعده على استقامته.

مزاجنجي

ثم بعدها قدّم نموذجاً آخر للإنسان المصري عبر شخصية «جمال أبو العزم»، أو كما لُقّب ضمن أحداث فيلم «الكيف» بـ«مزاجنجي، محاولاً من خلال هذه الشخصية أن ينقل حجم العبثية والفوضى واختلال الميزان الذي وصل إليه حال المجتمع في عقد الثمانينيات، فأصبحت القاعدة «إذا أردت النجاح والشهرة والمال والسلطة فليس هناك طريق أمامك سوى تجارة المخدرات.

وحتى لو كنت خبيراً كيميائياً تملك من العلم بحاراً ومحيطات ليس مسموحاً لك إلا بمرتب مكون من بضعة جنيهات تكفيك أنت وزوجتك فقط على حياة متوسطة، أما إذا أردت الإنجاب وتعليم طفلك بمدرسة جيدة فطريق الحرام أمامك، ويجب أن تستمع إلى نصائح مزاجنجي الذي درس القانون ولا يحمل شهادته.

ولا يملك موهبة الغناء ورغم ذلك أصبح مطرباً شعبياً شهيراً؛ لأنه فطن من البداية إلى أن الغناء الطربي أصبح لا يستهوي أذن الناس بعد انحدار مستوى التعليم فلجأ إلى «الريس ستموني» الذي ألف له أغنية «القلب منك مليان جفا»؛ ليبدع في تقديم هذه الشخصية التي ملأت قلوب الكثيرين من الجمهور في مصر والوطن العربي منه وداً ودنواً وليس جفاءً، كما جاءت كلمات إحدى أغنياته في الفيلم».

دور وطنيّ

تدمع عين المصريين دائماً إذا ذكرت وطنهم داخل إطار أية جملة مفيدة أو حتى غير مفيدة، فحب الوطن فطرة ولدوا عليها وليست صفة مكتسبة؛ فحاول الساحر أن يقدم ذلك في أكثر من عمل فني، بدأها بفيلم «إعدام ميت» الذي قدم فيه شخصيتين: الأولى رجل القوات المسلحة عز الدين الذي ضحى بكل شيء، بما في ذلك جزء من جسده، حتى تنجح مهمته في خداع الإسرائيليين الذين تمكنوا قبل ذلك من تجنيد منصور والعمل جاسوساً لهم، وكان هذا الدور أيضاً له في الفيلم.

ثم كانت شخصيته الأشهر التي قدم من خلاها سطوراً كثيرة من مشاعر حب الوطن عبر مسلسل «رأفت الهجان»، الذي جسد خلاله إحدى أشهر شخصيات الجاسوسية في الوطن العربي وصاحب البطولات الكثيرة في خداع إسرائيل: رفعت علي سليمان الجمال، صاحب الاسم الحركي وفقاً لسجل المخابرات المصرية «رأفت الهجان».

سحر الجوائز

وبعد الهجان ومغامراته، قدم الساحر واحدة من أهم الشخصيات في مشواره الفني: الشيخ حسني، الأب الضرير الذي تتلخص أحلامه كلها في قيادة موتوسيكل دون مساعدة أحد، ويعاني وحدة قاسية بعد وفاة زوجته لا يستطيع الهرب منها إلا بالحديث مع بعض السكارى والمخمورين حول «قاعدة جوزة»، كما أكد في فيلم «الكيت كات»، وقد حصل من خلال هذه الشخصية على جائزة أحسن ممثل بمهرجان «دمشق» السينمائي ومن بعدها بمهرجان الإسكندرية السينمائي.

ثم وصل الساحر إلى الشخصية التي لقب بعدها بـ«منصور بهجت» في فيلم «الساحر»، وحصل من خلالها على جائزة أحسن ممثل بمهرجان القاهرة السينمائي.

الهيئة الدولية للمسرح: فنان بوعي ناضج

نعت الهيئة الدولية للمسرح الفنان العربي الكبير محمود عبدالعزيز الذي رحل عن الحياة بعد صراع مع المرض. وأشاد محمد سيف الأفخم رئيس الهيئة الدولية للمسرح بالدور البناء الذي بذله الراحل من أجل إعلاء شأن الفن العربي وجعله حاضراً في المجتمعات العربية في وقت كانت تلك المجتمعات أحوج ما تكون لهذا الدور ولهؤلاء الأشخاص الفاعلين فيه.

وقال الأفخم إن الفنان الكبير حقق حضوراً قل نظيره في المشهد المسرحي والسينمائي العربي وكان بفضل الاختيار الدقيق للشخصيات التي حققها حاضراً في كل مكان في أنحاء العالم العربي.

باب الخلق

انصب تركيز «الساحر» بشكل كبير على الدراما التلفزيونية؛ فقدم أكثر من عمل للمواسم الرمضانية خلال السنوات الأخيرة، ومن بين أهم الشخصيات التي قدمها في هذه الأعمال شخصية «محفوظ زلطة» في مسلسل «باب الخلق»، التي حاول من خلالها الكشف عن عيوب جميع فئات المجتمع المصري دون استثناء.