يبقى اليتيم يتيماً حيث كان، إلا في قرية العائلة، إحدى مبادرات مؤسسة الأوقاف وشؤون القصر في دبي، فأبناؤها أيتام مع وقف التنفيذ، فرغم فقدانهم لحضن الأب وعناق الأم، إلا أن الحنان يحيطهم من كل جانب، كطيرٍ يرفرف عليهم بأجنحته، ينثر عليهم باقات حب وأمل، ليجدوا أنفسهم وسط عائلة متكاملة، فتحوا فيها أعينهم على أبٍ وأم وجدة وخالات، وبيئة أسرية رفعت شعار الإنسانية، واحتفت بها وسط قلوبٍ نقية ناصعة البياض.

على بقعةٍ انبثقت من بين ثناياها مآسٍ وجراح، وطفولة موجعة لم تذق طعم الحب، كان للإمارات وقفة، احتضنت فيها هؤلاء الأيتام، فبنت لهم قرية عائلية بامتياز، واستحدثت وظائف تصافح الإنسانية، فكان الأب والأم بحنانهما المعهود، والجدة بحضنها الذي يتسع للكون بأكمله، وتحديات كثيرة واجهوها، وحكايات تستحق أن تُروى لتكون دروساً في العطاء.

«البيان» زارت قرية العائلة، والتقت الآباء والأمهات لتتعرف على أدوارهم الحقيقية، وجالت بين التحديات التي واجهوها، لتجد نفسها تصفق دون وعي لجهود فاقت كل تقدير.

أسئلة صعبة

البداية كانت مع جابر جاسم، الذي يقوم بدور الأب في القرية، وعن دوره قال: دوري إدارة شؤون المنزل والأبناء كأي أب في منزله، وتعليم الأطفال معنى الحياة والعائلة، وأقوم بزيارة أبناء القرية في مدارسهم، ومتابعة تحصيلهم الدراسي، ودوامي يتطلب أن أبقى معهم 3 أيام متواصلة، لأعود لمنزلي الثلاثة أيام الأخرى، وأسعى جاهداً للتقرب منهم ومساعدتهم في حل المشكلات التي تواجههم.

وتحدث جابر عن التحديات التي تواجهه وقال: يفاجئني الصغار بأسئلة صعبة، ومنها كيف أكون أبيهم وبيننا اختلاف كبير في اللون، لأجيب عن أسئلتهم بأن الله خلق البشر مختلفين في اللون، وهكذا، ولكنني اليوم نجحت في كسب محبتهم، حتى أن أحدهم طلب من مديرة القرية تغيير اسمه على اسمي. وعن الصعوبة الكبرى قال: تتمثل في غيرة أبنائي الحقيقيين من أبنائي في القرية، فحين أصطحبهم معي إلى القرية ويرون العلاقة الرائعة التي تجمعني بهم يتضايقون، ولكني تغلبت على هذه المشكلة، بالتقريب بينهم.

صعوبات

تقوم عفراء الشامسي، بدور الأم، لتتولى مهمة تأهيل الأطفال وتربيتهم والعناية بهم ومتابعتهم صحياً ودراسياً وتربوياً، وقالت: في البداية واجهت صعوبات كثيرة تمثلت في مدى تقبل الأطفال لي، ولكني استطعت كسر هذا الحاجز بقدر الحنان والأمان الذي منحتهم إياه، وعملت جاهدة على تعزيز ثقتهم بأنفسهم، حتى تمكنوا اليوم من مواجهة الحياة، وأسعى دائماً لدمجهم في المجتمع، وتعليمهم اتخاذ القرارات بأنفسهم، وأصبحت العلاقة اليوم بيننا كعلاقة أي أم بأبنائها.

وعن أحد المواقف التي أبكتها قالت: أبكاني أحد الأطفال الذي يحمل ملامح تختلف عن ملامحي، حين سألني، كيف تكونين أمي وليس هناك تشابه بيني وبينك؟ وأضافت: أعيش مع هذا الطفل تحدٍّ كبير، وألجأ إلى الخبراء النفسيين للتغلب على المشكلات التي أواجهها ويواجهها أبنائي في القرية.

وتحدثت عزة عيد، التي تقوم بدور الخالة، عن مهامها، لافتة إلى أنها مهام الأم نفسها، وقالت: مهمتي تتمثل في العناية بالأطفال ومتابعتهم من جميع النواحي، وهذه المهمة مسؤولية كبيرة، وأمانة أعمل لأن أكون على قدرها. وتسعى عزة جاهدة لخلق موازنة بين عطائها لأبنائها في الحقيقة، وأبنائها في القرية، وقالت: شعرت بغيرة أبنائي ولكني تحدثت معهم في الأمر، واتفقنا على ضرورة تقديم ما بوسعنا من محبة واهتمام لهؤلاء الأيتام، حتى شعروا بأن لديهم عائلة جديدة، وهذا سهَّل مهمتي.

وذكرت أن حب أطفال القرية لها أكثر ما يسعدها، وقالت: تعلمت منهم الصبر، وامتلكت خبرة في حل المشكلات مع مختلف الشخصيات الصعبة.

شركاء

وأشارت الخالة البديلة فدوى عبيد، إلى أنها تقوم بأدوار الأم نفسها في القرية، وقالت: جميعنا شركاء في هذه المسؤولية، ورغم صعوبة هذه الوظيفة عليّ كأم لديها أطفال صغار في المنزل، إلا أن بداخلي قدرة على العطاء، وهؤلاء الأيتام يستحقون منا كل الحب والتضحية. ولفتت إلى حاجة الأيتام للحب والحنان، وقالت: أتحاور معهم دائماً، وتؤلمني أسئلتهم حول غياب والديهم، وقد أبكاني أحد أبناء القرية حين رآني أحتضن طفلي الصغير ليقول لي «ابنك محظوظ»، وهو ما جعلني أضاعف جهدي لأن أكون أماً حقيقية له.

شروط واختبارات

اختبارات صعبة يجب أن يجتازها الموظفون حتى يحصلوا على وظيفة الآباء والأمهات والخالات في قرية العائلة، ومن شروط هذه الوظيفة أن تكون أعمارهم ما بين 35 ـ 45 عاماً، ويتم تعريضهم لاختبارات صعبة، تكشف مدى كونهم مؤهلين نفسياً واجتماعياً وذهنياً واجتماعياً للقيام بهذه الوظيفة، كما يشترط إتقانهم للهجة المحلية.