إفادات تكشف المفارقات في الحياة الثقافية العربية

أدباء يمارسون ضغوطاً على النقاد لترويج أعمالهم

ت + ت - الحجم الطبيعي

انتشرت مقالات عدة تنتقد حالة شاعر ابتز الكثير من النقاد لكتابة دراسات عن كتابه. بغض النظر عن مستوى الكتاب. ومستوى الدراسات. كيف يرى الأدباء والنقاد هذه الحالة؟

وبتناول الموضوع من جهة مختلفة. إذا اعتبرنا الكاتب والناقد ضحايا. ضحايا من وما الذي أوصل الأدب إلى السوق السوداء؟ وكالة أنباء الشعر أجرت استطلاعاً مميزاً في الفترة الأخيرة نقتطف منه:

عملية إرهابية

الشاعر المصري حسن شهاب الدين قال: ربما ينظر الكثير لرؤيتي حول الموضوع على أنها مثالية بعض الشيء، ولكنني أؤكد واقعيتها تماماً إننا إزاء عمل تخريبي متعمد، إزاء موقف سلبي من اﻹبداع الجاد.. ليست الكتابة اﻹبداعية ترفاً وﻻ إضاعة للوقت إنها عمل جاد بكل معنى الكلمة إنها ركيزة أساسية في بناء الحضارات..

وما قام به هذا الكاتب أو غيره من ابتزاز لكتابة دراسة مشوهة حول عمله لهي عملية غير مسؤولة بل إرهابية، بل إن صح التعبير وما قام ذلك الناقد أو غيره هو ببساطة عملية تشويه للفن واﻹبداع.

وﻻ مفردات لدي أستطيع بها تصوير ما حدث إﻻ أنه عمل تخريبي ﻻبد من الوقوف طويلاً لديه، وإن لم يكن من شأن سلطة قضائية ما أن تقوم بدورها في هذا اﻷمر فلتكن سلطة اﻷدب الجاد ممن عرفوا فقط بالجدية واﻹبداع، أما ضحايا اﻷمر فهم القراء البسطاء الذين قام هذا وذاك بغشهم، وليسوا هم وحدهم إن الورق الذي كتبت عليه تلك الدراسة ضحية، والحبر الذي لطخ به بياض الورقة أيضاً.

الدفع مقابل الإعلاء

الشاعر والناقد التونسي نصر سامي يؤكد الظاهرة بالقول: تصلني من فترة عروض من كتّاب عرب للكتابة عن كتبهم. يكون ذلك بعد فترة قصيرة من إرسال الكتاب ورقي أو بي دي أف..

في مرات كانت هناك عروض مالية وفي مرات يقال لي إذا لقيت فيه شيئاً جديداً اكتب وفي مرات المهم أن أكتب عنه. في كل هذه المرات لم استغرب أن يدعو الكاتب الناقد وأن ينبه إلى تجربته تنبيهاً يسد ثغرة ثقافية لعدم وصول المؤلفات الشبابية المتميزة. إلى حد الاقتراح والرفض والقبول، لا أجد مشكلة. لكن الدفع مقابل الإعلاء من شأن كتاب متدني القيمة موجود ولا يتعلق فقط بحالة أو اثنتين.

وهو يتم بطرق مختلفة تقوم على الاستغلال المالي والفكري والنفسي. ولا يقوم بها للأسف النقاد الصغار سناً فقط بل إن مجرد إلقاء نظرة صغيرة على مقدمات كتب الشعر لكتاب وكاتبات جدد كفيلة بصرخات تحذير قوية. شخصياً أنبه النقاد إلى تجربتي واقترح أعمالاً. أما ما يقترح عليّ فإنني لا أتقاضى إن قبلت الكتابة من الكاتب أي مبلغ مهما كان إذ أن المادة التي أكتبها تجد طريقها للنشر في الصحف أو الكتب.

أن يتحول الإبداع إلى نخاسة

ويمضي سامي مشيراً إلى أن العملية معقدة ولها وجوه كثيرة أولها المال وثانيها الوجاهة وثالثها الفهم الخاطئ الذي يؤدي إلى تكريس السيئ وإغراق السوق بأدب مدعم بدراسات مدفوعة الأجر للترويج. العملية لو تمت حول كتاب جيد .

وكانت الدراسات رغم كثرتها قراءات تحكم المنطق وتطبق مناهج واضحة ودون استغلال فالأمر عادي.. إما أن يتحول الإبداع إلى نخاسة وبيع وشراء وتبخيس للجميل وإعلاء للقبيح، فهذا أمر غير مرضٍ وعلينا عدم قبوله والوقوف ضده.

الناقد المغربي د. شميعة مصطفى أفاد أنه: مازال الفساد يروج لنفسه بكل الطرق والوسائل مستشرياً في كل مفاصل المجتمع العربي ومستوياته السياسية والاقتصادية، مرتدياً أقنعة مختلفة ومتمظهراً بأشكال وطرق شتى. اليوم سيطال الفساد والتخلف مجالاً حيوياً من مجالات الحياة، إنه المجال الثقافي وخاصة مجالي الأدب ونقده.

وليس خافياً أن المرء وهو يعيش حالة العبث الحضاري في زمن التخلف ينبغي له ألا يعتبر الأمر شاذاً عن القاعدة، فالقاعدة تحكمها الأنانية والوصولية، والاستثناء أصبح قاعدة بل حالة شذوذ مزمن، تكاد تنعدم فيها لغة الضمير الحي الذي يؤسس للوجود في أبهى مظاهره، لكن هيهات مع ظهور طفيليات الإبداع العربي.

زمن ثقافي عجيب

ويضيف مصطفى ينطبق قولي هذا على ما راج أخيراً وبشكل مخزٍ، حيث نصب أحد مرتزقة الأدب نفسه أديباً متمرساً، فكتب ما اعتبره ديواناً شعرياً، وعاج على النقاد والمهتمين يطلب منهم - كالشقي - الكتابة عن منتوجه في سياق ما يعرف بالكتابة تحت الطلب. للأسف لقد وصلتني دعوته كما وصلت زميلات وزملاء لي في العديد من الدول العربية تارة بدعوة شخصية يكاد فيها ينحني على الأقدام لقبول دعوته.

وتارة أخرى عن طريق أصدقاء في المجال - للأسف استحلى بعضهم الدعوة - وتارة أخرى أيضاً بتقمص شخصيات وهمية أعتقد جازماً أنه هو نفسه من يتقمصها. بالنسبة لي شخصياً لا استغرب هذا العمل لسبب واحد أنا نعيش زمن الأنانية المطلقة، إننا في زمن ثقافي متخلف اختلط فيه الحابل بالنابل.

حيث تتداعى القيم:قيم المروءة والكرامة، ففي هذا الزمن العفن كل شيء مباح، من قطع الرؤوس على الهوية، إلى تمزيق الوطن العربي وتدميره، من زمن المحو الثقافي إلى زمن الاكتتاب الثقافي السخيف.

إنه زمن ثقافي خرافي عجيب يمكن أن يصبح مادة مغرية لكبار سيناريوهات هوليوود، زمن ثقافي عربي ضيق ومخنوق يصبح فيه الأدب مادة للاسترزاق والسرقة فما بالك بالكتابة تحت الطلب، من هنا فالذات الإبداعية العربية أصبحت في محط تساؤل عميق، ما العمل؟ بل هناك من سيذهب بعيداً بالقول: أين هي هذه الذات أصلاً، لماذا لا تكتب عما يحصل في وعينا الشقي من دمار؟

تساؤل

طرح الناقد شميعة مصطفى سؤالاً مشروعاً حينما قال: لماذا نعيش فراغاً على مستوى الكلمة الإبداعية الحرة؟ أليس هذا مدعاة لنمو الفطريات الإبداعية النقدية مثلما يحصل الآن مع صاحبنا المبدع؟ إن الإجابة عن هذه الأسئلة من شأنها كشف عورتنا الأدبية، تعرية عيبنا بالجملة، نحن نتحمل مسؤولياتنا التاريخية في وجود مبدعين تحت الطلب ونقاد تحت الطلب.

وكأني بطبقة المثقفين أصبحت اليوم بلا تغطية يومية كما يقع في وعينا الحضاري الثقافي، فلا نستغرب أن هي انسلخت عن هويتها أو تجاوزت حدود انتمائها بحيث تذوب في الطبقات العليا للمجتمع بعيداً عن طبقاته الدنيا وعن مستضعفيه.

طباعة Email