يُعتبر المزج بين الذاتي والمُتخيَّل في الأعمال الأدبية، لاسيما الروائية منها، سمة من سمات الكثير من الأعمال التي تظهر فيها جوانب من شخصية الكاتب وحياته ومحطات من سيرته الذاتية، إلى جوار فضاءات السرد وعوالمه المتخيلة.
ويعتقد كثير من النقاد والأدباء أن المحك الرئيس في النهاية هو جودة العمل الأدبي وعمقه ونجاحه، سواء اعتمد في آليات السرد على الممازجة بين ما هو ذاتي ومُتخيل أو كان العمل من نسج خيالات الكاتب؛ بينما يرى آخرون أن العمل الإبداعي تتحكم فيه عوامل داخلية ذاتية وأخرى خارجية لا يمكن الفصل بينهما.
وتختلف هذه الطريقة المازجة للذاتي والمتخيل عن السيرة الذاتية بشكلها وتعريفها المتعارف عليه والذي حدده الفرنسي فيليب لوجون في كون السيرة «حكياً استعاديا نثريا يقوم به شخص واقعي لوجوده الخاص، وذلك عندما يركز على حياته الفردية وعلى تاريخ شخصيته بصفة خاصة».
جدل مستمر
وتظل إشكالية مدى صدق الكاتب وتوفيقه بين التخييل والسيرة الذاتية متداولة ومثار جدل بين النقاد والأدباء، فيقول الكاتب الفرنسي أندريه جيد: «لا يمكن أن تكون المذكرات إلا نصف صادقة.
ولو كان هم الحقيقة كبيرا؛ بل ربما تقترب الحقيقة أكثر في الرواية». وهو الرأي الذي يتبناه الكاتب الفرنسي فرانسوا مورياك الذي يقول: «رواياتنا تعبر عن الجوهري فينا. إن التخييل هو وحده الذي لا يكذب، إنه يشق بابا سريا في حياة إنسان ما، تلج منه روحه المجهولة خارج كل مراقبة».
تفكيك عوالم البشر
وترى الروائية الإماراتية لولوة المنصوري أن «الموضوعية شرط نسج الشخصيات في الكتابة الروائية؛ فالكاتب لا يقدم نفسه من خلال منجزه الروائي فحسب، وإنما يفكك عوالم من البشر تسبح في مجرات العلامات والرموز والأيقونات والخيال الروائي تارة، وتارة أخرى تنكشف من تحت ستر التمويه والمخاتلة، فتظهر جليّة واضحة خصبة ببعض العناصر الروحية والنفسية والاجتماعية الخاصة بالكاتب».
ومن البديهي أن يتسرب حيز ذاتي خاص إلى النص، لكن شرط ألا تتجسد الرواية بالتفاصيل الدقيقة المنغمسة في لب حكاية الكاتب الواقعية، وإلا حريّ بالكاتب وقتها أن يكون صادقا مع المشهد السردي ويضع منجزه في خانة «السيرة الذاتية».
الخيال
ويشير الكاتب والناقد المصري البارز يوسف الشاروني إلى أن الإبداع يرتكن في الأساس إلى مصدرين رئيسيين: الأول مصدر داخلي يعتمد على ذات الكاتب وتجربته، والآخر المصادر الخارجية المحيطة التي تأتي في سياق العمل الأدبي. مشيرا إلى أنه لا يمكن أن يكون هنالك فارق بين المصدرين؛ فكلاهما يكملان بعضهما البعض ولا يمكن الفصل بينهما.
ويظهر التخييل في السير الذاتية نفسها كما يظهر في العمل الروائي، ويعتبر الشاروني ذلك بأنه سمة من سمات العمل الإبداعي بصفة عامة، وأن السير الذاتية عادة ما يكون فيها ما هو متخيل؛ فلا أحد يكتب المواقف كما هي، وحتما يلعب الخيال دورا.
مشيرا إلى أن الواقع الآني للمبدع هو أحد المصادر ـ وليس المصدر الوحيد ـ للإبداع، ومن ثم يظهر في العمل الإبداعي بصفة عامة بدرجات متفاوتة. ويوضح الشاروني أن أي إبداع أدبي يدخل فيه الخيال بصورة أو بأخرى.
مستويان للعمل الروائي
ويقول الروائي السوري عبد الله مكسور إن «الرواية بفضاءاتها وثيماتها المختلفة هي صورة من صور الحياة، قد تكون هذه الحياة فردية أو عامة خاصة بمجتمع كامل.
ومن هنا فإني أرى العمل الأدبي الروائي ـ أي عمل ـ يسير وفق مستويين: الأول أفقي يتعلق بفضاءات السرد والآخر عمودي يتعلق بذات الكاتب». وعندما أكتبُ أستند في الوعي الكتابي على أمرين: الأول الإحساس والمعرفة الذاتية والآخر الذاكرة الجمعية، وبما أن المعرفة كالذاكرة عملية تراكمية فإن إعادة إنتاجها تكون في الكلام، الكلام هنا يحمل عدة صور؛ منها الشفهي والمرئي والمكتوب.
كل النصوص سيرة ذاتية
ويستعين الناقد الأدبي المصري الدكتور حسام عقل في تحليله لمسألة الذاتية في الأعمال الأدبية بقول الناقد الفرنسي فيليب لوجون الذي قال إن «كل النصوص التي نكتبها هي سيرة ذاتية».
ويرى أنه لا شك أن معظم النصوص الأدبية التي يكبتها المبدعون تنطوي في النهاية على سيرة ذاتية ترصد شريحة من الحياة أو ترصد مجموعة شرائح من الحياة، وقد تلاحظ في الآونة الأخيرة انفجار في أدب السير الذاتية والتراجم المتعلقة بالسير.
تخييل
«التخييل الذاتي» مصطلح صاغه في سبعينات القرن الماضي الكاتب والناقد الفرنسي سيرج دوبروفسكي، ويعنى بإضفاء التخييل على السير الشخصية في الرواية.
كما أنه ـ وفق دوبروفسكي ـ يتلخص في لجوء الكاتب إلى تقمص شخصية بطل الرواية مع المحافظة على هويته الذاتية. أو كما عرفته الكاتبة الفرنسية ماري داريوسك بأنه سرد يتم من خلال ضمير المتكلم وتظهر شخصية الكاتب في جوانب السرد المختلفة تحت اسم علم، ويكون التشابه بين الكاتب والشخصية مستنداً إلى العديد من آثار وخبرات الحياة.
