يتميز الخط العربي بخصائص حضارية وتاريخية وثقافية عربية، ويزيد من جمال هذا الفن الرائع شكل الخط العربي القابل أكثر من أي خطٍّ آخر لجمال الحرف وأناقته، حيث نجد قصة تطوُّر الكتابة العربية التي يمارسها الخطاطون في كلِّ أنحاء العالم الإسلامي.

وقد تعلّقت عيون الخطاطة فاطمة البقالي بفن الخط العربي من خلال عناوين الكتب المدرسية منذ أيام الطفولة، حيث كانت تتساءل دائماً عن كيفية كتابتها البديعة وأسرارها وأدواتها، وازداد حبها لهذا الفن فدفعها الشغف إلى الالتحاق بمعهد الخط العربي والفن الإسلامي بالشارقة، ثم حصولها على إجازتين في الخط العربي من مركز الأبحاث للتاريخ والفنون والثقافة الإسلامية في اسطنبول.

موهبة

خلال حديث «البيان» مع فاطمة سعيد البقالي قالت: منحني الله عزّ وجلّ موهبة، وقد صقلتها بالدراسة وأعطيتها جلّ وقتي بالبحث والمتابعة والمناقشة، والحمد لله أحصد ثمار هذه الجهود بالتميز والإبداع والتألق، حيث بدأت بتعلّم أنواع الخطوط العربية على طريقة المدرسة العربية وبأسلوب الخطاط العراقي الشهير هاشم البغدادي، مثل خط الرقعة ثم الديواني والديواني الجلي والنستعليق والنسخ، إلى أن أُلحق ذاك المعهد بإدارة الفنون بدائرة الثقافة والإعلام بالشارقة تحت اسم مركز الشارقة لفن الخط العربي والزخرفة، ثمّ واصلت تعلّم فن الخط العربي على يد الخطاط الدكتور صلاح الدين شيرزاد في الخط الكوفي والثلث والزخرفة الإسلامية.

وتضيف: خُصص لي مرسم في بيوت الخطاطين عند إنشاء ساحة الخط العربي في الشارقة بمكرمة من صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، فكانت مرحلة جديدة أثرت تجربتي الفنية.

فأعقبتها مكرمة أخرى لسموه بانتخاب أبرز المواهب الوطنية لابتعاثهم إلى اسطنبول (عاصمة الخط والخطاطين) لدراسة فن الخط حسب أصوله ومناهجه الاحترافية عند شيخ الخطاطين حسن جلبي، بمعاونة تلميذه المتميّز داود بكتاش، حيث درستُ خطّي الثلث والنسخ، إضافة إلى فن الزخرفة والتذهيب على يد صائمة حسن جلبي، فكانت فرصة سانحة للتعرف على الكثير من الفنون المصاحبة لفن الخط العربي.

وتحصلت البقالي بعد الدورات المكثفة على الإجازة الأولى في خطّي الثلث والنسخ في عام 2008 فكانتُ أوّل فتاة خليجية تنالُ هذه الإجازة، كما نالت إجازتها الثانية في خطّي الديواني والديواني الجلي عام 2010 وبها كانت أول خطاطة أجيزت في هذين الخطين.

وتؤكد زيادة تعلقها بالفن الإسلامي وفنونه الأصيلة الخالدة بشكل عام، وفن الخط بشكل خاص، حيث ترقى وتسمو بالخطاط إحساساً وإبداعاً وذوقاً وفكراً وخُلقاً، وتتبع البقالي الأسلوب الأكاديمي الاحترافي للتعلّم وتعليمه للطلبة، وهي تتطلع للارتقاء بفن الخط العربي محلياً وعالمياً.

وعن كيفية اختيارها للعمل تقول: أختار النصوص بشكل رئيس من القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة والحكم والأقوال العربية والعالمية ذات المعنى البليغ، إضافة إلى الشعر العربي، أختار النص بعيني وإحساسي لتخطّه يدي، كما أكد ذلك الفيلسوف اليوناني اقليدس عندما قال: الخط هندسة روحانية ظهرت بآلة جسمانية.

وأضافت: إن مراحل تنفيذ اللوحة الخطية: تبدأ باختيار النص - ثمّ التصميم الأولي بقلم الرصاص وبعدة أنواع أجيدها لاختيار التصميم الأجمل من بينها ثم القالب، وأخيرا التنفيذ على الورقة النهائية التي ستكون اللوحة الخطية التي غالباً ما تكون من الورق الطبيعي المعالج يدوياً وبمواد طبيعية (البيض والشب ولها صناع متخصصون بمعالجتها) أو ورق جيد يلون بالشاي ويعالج.

مواد طبيعية

وتوضح أنه تتم الكتابة بقلم البوص أو الخيزران أو الجاوي أو القلم المعدني، وقد تعددت أنواعها وأحجامها في الفترة الأخيرة، وتبارى صنّاعها في إتقانها، المداد التقليدي والمصنوع من مواد طبيعية وقد تنوعت ألوانه أيضاً.

ويستخرج بعد المعالجة بالتأكيد من السوت (الحبر الأسود) وقشر الرمان (الحبر الأحمر) ومن قشر الجوز (الحبرالبني) ومن ورق الزيتون (الحبر الأخضر) ومن الزعفران (الحبر البرتقالي) إضافة إلى حبر من الذهب الحقيقي بعد معالجته.

إبداع

هذا الفن العريق يتألق بإبداعه الرجل أكثر من المرأة، منذ نشأته لما يحويه من قواعد صارمة وصعبة ومثابرة واستمرارية بالبحث والدراسة ودقة الملاحظة وكثرة الاطلاع على النماذج للخطاطين السابقين، بفطرة يتحمّل الرجل مشاقها.

لكن نادراً أو قليلاً ما نرى من النساء ممن يتحملن ذلك، وهن الموجودات حالياً في ميدان فن الخط العربي محلياً وعالمياً، هي أولاً وأخيراً طاقات وقدرات تختلف عند كل خطاط وخطاطة يهبها الخالق لمن يشاء من عباده.